تساءل المؤرخ الأمريكي أندرو جيه باسيفيتش "كيف يمكن لاتفاق إيران النووي أن يغير وجه الشرق الأوسط؟ وما الحسابات وراء الاتفاق؟ وإلى أين يمكن أن يقود؟"
واستهل مقالا مطولا نشرته صحيفة الـ (كريستيان ساينس مونيتور) بالتأكيد على أن الاتفاق النووي الذي وقعته أمريكا وخمس قوى عالمية أخرى مع إيران، إن هو إلا وسيلة لغاية، وليس غاية في حد ذاته.
واعتبر باسيفيتش الاتفاق المزمع تفعيله رسميا اليوم الاثنين بمثابة مشروع محفوف بالمخاطر؛ فإذا ما نجح فإنه قد يمثل الخطوة الأولى على طريق استعادة شيئ من الاستقرار لما وصف بـ "الشرق الأوسط الكبير"، ومن ثمّ يتقلص الجهد الأمريكي على هذا الصعيد، أما إذا ما فشل الاتفاق فإن الاضطراب الراهن في تلك المنطقة قد يمسي وضعا اعتياديا.
وعاد المؤرخ بالأذهان إلى عام 2008 وقال إن أوباما بدخوله البيت الأبيض وتوليه مهام الرئاسة الأمريكية قد ورث على الفور هذا الاضطراب في تلك المنطقة .. وقتها ظن الكثيرون من بسطاء الأمريكيين وغيرهم حول العالم أن الرئيس الجديد صاحب الكاريزما قادر على القضاء بسرعة وجيزة على مثل هذه الفوضى وهذا الاضطراب.. وقد بدا حينئذ أن أوباما ظن نفسه أهلا لتحقيق تلك الآمال الكبرى، فعمد إلى بذل الوعود بـ "فتح صفحة جديدة بين أمريكا والمسلمين حول العالم" أما اليوم وبينما هو يلملم أغراضه من البيت الأبيض، وقد بات أشيب منه يوم أن دخل هذا البيت أول مرة قبل نحو ثماني سنوات، فإن أيا من تلك الصفحات الجديدة الموعودة لم تجد من يفتحها ولا يزال العالم بكامله في حالة من الفوضى المستعصية.
وأضاف "إذن سيترك أوباما البيت الأبيض مخلفا وراءه إرثا من السياسة الخارجية، لكن تحديد نوع هذا الإرث من حيث كونه إيجابي أم سلبي قد يستغرق سنوات ، إلا أن مكانة أوباما كرجل دولة قد تعتمد على مدى إتمام الاتفاق النووي الإيراني."
ووصف باسيفيتش انتقادات الكونجرس للاتفاق، ومقارنة إيران بألمانيا النازية وأوباما بـرئيس وزراء بريطانيا الأسبق نيفيل تشامبرلين والترويج لمشهد يُساق فيه الإسرائيليون خانعين إلى معسكرات الموت – وصفها باسيفيتش بأنها أمور عبثية كانت متوقعة من الكونجرس، وعلى الرغم من فشلها في عرقلة الاتفاق، إلا أن هذه الانتقادات استطاعت التشويش على سياقه الاستراتيجي فحالت دون ظهور كل من مخاطره الفعلية ومنافعه الكامنة على السواء.
وأكد باسيفيتش أن قلة الإشارات إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة"، كما هي معروفة رسميا، كاتفاق نووي، إنما تصب في صالح تقنيع وإخفاء آثاره الكبرى؛ فظاهريًا يرفع الاتفاق العقوبات الاقتصادية المفروضة عن كاهل إيران مقابل قبول هذه الدولة فرض قيود على برنامجها النووي، وضمنيًا يعتبر الاتفاق بمثابة دعوة موجهة إلى إيران للرجوع إلى حظيرة المجتمع الدولي الدافئة بعد معاناة طويلة من برد النبْذ والاستبعاد – ويُعدّ"مدى تلبية الإيرانيين لتلك الدعوة" بمثابة السؤال الذي ستحدد إجابته مكانة أوباما التاريخية كرجل دولة.
وتابع المؤرخ قائلا "إن أوباما كان شابا صغيرا عندما اشتعلت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وما تلاها من أزمة احتجاز رهائن أدت إلى نبْذ المجتمع الدولي لإيران واعتبارها دولة مارقة مُستبعَدة من لعب أي دور فاعل في السياسات الإقليمية .. غير أن استبعاد المشاكسين إنما يؤدي إلى التحريض على مزيد من المشاكل."
ومضى صاحب المقال "في حقبة الثمانينيات، رأت أمريكا أن إيران تمثل تهديدا للاستقرار، ووجدت نفسها تدعم صدام حسين في حرب وحشية ضد إيران .. وفي التسعينيات، بعد أن انضمت العراق إلى جانب إيران في قائمة أعداء واشنطن، تبّنت أمريكا استراتيجية "الاحتواء المزدوج"، ثم كانت حتمية الحضور العسكري الأمريكي القوي في المنطقة، الأمر الذي ترتب عليه ردّ فعل عكسي تبلور في نهاية الأمر في هجمات الحادي عشر من سبتمبر .. وعند رفض الاحتواء، ردّت إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن بشن حرب وقائية .. وتحت شعار "أجندة الحريات" شرعت هذه الإدارة في إعادة رسم المنطقة، بادئة من العراق على أن تتبعها دول الجوار، بما في ذلك إيران .. وكانت التوقعات وقتئذ أن استخدام القوة العسكرية الأمريكية سيثمر عن منافع جمة."
"ولكن للأسف ما حدث أن الأمور لم تمض وفقا للأهواء الأمريكية؛ فقد أُجهض المشروع العسكري في العراق ولم تخطُ "أجندة الحريات" خطوةً واحدة للأمام .. والأسوأ من ذلك، أنه رغم سقوط الآلاف من القتلى والجرحى، وإهدار مئات المليارات، فإن الجهود العسكرية الأمريكية زادت الأوضاع في "الشرق الأوسط الكبير" سوءا على سوئها .. وكان أن المشروع الذي كان من المفترض أن يُعزز الاستقرار، وينشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، قد انتهى بدلا من ذلك إلى شيئ أقرب إلى الفوضى، وتغذية الراديكالية العنيفة."
وأكد باسيفيتش قائلا "لقد ساعد احتلال إدارة بوش للعراق في تغذية اتهامات أسامة بن لادن لأمريكا بالإمبريالية وكراهية الإسلام .. وفي بغداد بدا النظام السياسي الذي هو نتاج سنوات عديدة من "البناء الأمريكي للأمة" – بدا خليطا غير منسجم ومسخا طائفيّا على نحو ترك العراق بلا نظامٍ حاكم فعليًا .. أما بالنسبة للإسلاميين الراديكاليين عموما، فإن التدخل الأمريكي في العراق كان هدية الهدايا، ويكفي للتدليل على ذلك، مجردُ النظر إلى تنظيم "داعش"، خليفة "القاعدة"، الذي أعلن نفسه نواة لخلافة جديدة باسطًا يده على مساحات شاسعة من العراق وسوريا .. ومهما استنكف الأمريكيون من الاعتراف بأبوتهم الجماعية له، فإن تنظيم داعش هو ابن غير شرعي ووليد طبيعي للتدخل العسكري الأمريكي الأرعن." حسب الكاتب -.
وعاد باسيفيتش أدراجه قائلا: "والآن، وإذْ لم يعد أوباما مُستجدًا على صعيد السياسة الخارجية، فإنه يبدو وقد أدرك أن التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط الكبير، الذي يعود تاريخه إلى مُهمة حفظ السلام الفاشلة في لبنان مطلع الثمانينيات، قد أتى بنتائج عكسية .. وسواء أكان في العراق أو ليبيا أو الصومال أو أفغانستان، فإنه لم يثمر أبدا الثمار الموعودة أو المرجوة منه."
ورأى باسيفيتش أن "قبول أوباما للمخاطر الكامنة في "خطة العمل الشاملة المشتركة" يشكل في حد ذاته اعترافا بحكم الواقع بأن محاولة فرْض النظام على هذه المنطقة عبر استخدام "القوة الصلبة" قد باء بالفشل .. وبصياغة أبسط، فإن محاولة فرْض المزيد من القوة، عبر تكثيف عمليات القصف أو إرسال المزيد من القوات البرية، لن يغير النتيجة في الصالح .. في الواقع، إن التجربة أثبتت أن عسكرة السياسة الأمريكية في العالم الإسلامي قد بلغت طريقا مسدودا."
وعليه، يقول باسيفيتش، "فإن أوباما عبر مبادرته مع إيران يحاول انتهاج طريق مغاير؛ ولا تمثل "خطة العمل الشاملة المشتركة" سوى خطوة بداية على صعيد مشروع مُعقّد محفوف بالمخاطر.. ويهدف هذا المشروع في غايته إلى أمرين: الأول، إنقاذ الجيش الأمريكي مما أمسى حربا بلا نهاية؛ والثاني، إزاحة مسؤولية حفظ الاستقرار الإقليمي على تلك القوى التي ستتضرر أكثر من غيرها إذا ما استمر هذا التمزق الجاري في المنطقة – بوجه أدق إزاحته على تلك الأمم الساكنة في الجوار."
أرسل تعليقك