اختتمت الولايات المتحدة وإيران الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى التي استضافها منتجع بورغنشتوك السويسري، بعد مفاوضات مكثفة استمرت حتى ساعات الفجر الأولى من الاثنين، في خطوة وُصفت بأنها تمثل بداية مسار سياسي جديد بين البلدين عقب أشهر من التوتر والتصعيد العسكري. وأسفرت المباحثات عن اتفاق على خارطة طريق تهدف إلى التوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً، مع بدء محادثات فنية فورية لمتابعة تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها.
وجرت المحادثات في إطار مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان الأسبوع الماضي، والتي تنص على إجراء مفاوضات لمدة ستين يوماً قابلة للتمديد بهدف إنهاء النزاع القائم وتسوية ملفات عالقة منذ عقود. وشهدت الجلسات أجواء متوترة في بدايتها، بعدما احتج الوفد الإيراني على تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتبرها مسيئة ومهددة، ما دفعه إلى تعليق مشاركته مؤقتاً ومغادرة قاعة الاجتماعات قبل أن تستمر الاتصالات عبر الوسطاء.
وأكد مسؤول أميركي مشارك في المفاوضات أن الوفدين واصلا العمل طوال الليل، نافياً توقف المحادثات بشكل كامل، مشيراً إلى أن النقاشات ركزت بصورة خاصة على ملف مضيق هرمز وآليات منع التصعيد وضمان استمرار الملاحة البحرية بشكل آمن، إلى جانب متابعة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم والبحث في التطورات الميدانية في لبنان.
وكان ترامب قد صعّد لهجته تجاه إيران خلال سير المفاوضات، مطالباً إياها بوقف دعم حلفائها في لبنان، ومهدداً بشن ضربات جديدة إذا استمرت التوترات. وردت طهران على هذه التصريحات بالتأكيد أن قواتها المسلحة مستعدة للرد على أي تصعيد محتمل، معتبرة أن التهديدات لا تساعد على إنجاح المسار التفاوضي.
وعقب انتهاء الجولة الأولى، أعلن الوسطاء أن الطرفين توصلا إلى خارطة طريق للتفاوض خلال الستين يوماً المقبلة، واتفقا على استمرار الاجتماعات الفنية خلال الأسبوع الجاري. كما تم الاتفاق على إنشاء قناة اتصال خاصة للمساعدة في ضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، إضافة إلى آلية لمتابعة الوضع في لبنان والعمل على منع انهيار التفاهمات المتعلقة بوقف الأعمال القتالية.
وتزامنت المحادثات مع استمرار الخلافات بشأن تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، إذ شددت إيران على أن الانتقال إلى مرحلة التفاوض حول الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، يتطلب أولاً تنفيذ التزامات أخرى تتعلق بوقف التصعيد في لبنان والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وتسهيل صادرات النفط والمنتجات البتروكيماوية.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن التفاهمات الحالية أتاحت لبلاده إعفاءات تسمح باستمرار صادرات النفط والمنتجات البتروكيماوية، إلى جانب الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة وبدء برامج لإعادة الإعمار والتنمية. وأكد أن أي تقدم إضافي في ملف البرنامج النووي يبقى مرتبطاً بمدى التزام واشنطن بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً.
في المقابل، أشار نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى إحراز تقدم في معالجة الملفات المرتبطة بلبنان، معتبراً أن هذه القضايا بطبيعتها معقدة وتتطلب وقتاً للوصول إلى حلول دائمة. كما أكد أن الإدارة الأميركية تسعى إلى استكشاف إمكانية فتح صفحة جديدة في العلاقات مع إيران إذا توفرت الظروف المناسبة لذلك.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه الوضع الإقليمي هشاً، خصوصاً في لبنان حيث استمرت الاشتباكات والغارات المتفرقة رغم إعلان وقف إطلاق نار جديد. وقد أكدت إيران أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية كان أحد الأسباب الرئيسية وراء قرارها إعادة إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى اضطرابات كبيرة في حركة الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
وعلى الجانب الإسرائيلي، جدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأكيده أن قوات بلاده ستواصل البقاء في جنوب لبنان طالما رأت أن ذلك ضروري لحماية أمن إسرائيل، مشدداً على أن حكومته لن تتراجع عن هذا الالتزام. في المقابل، رفض حزب الله أي وجود لما تصفه إسرائيل بـ"المنطقة الأمنية" داخل الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية يجب أن تنسحب بالكامل من الأراضي اللبنانية.
كما جددت طهران تمسكها بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، مع تأكيدها أنها لا تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية. وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان استعداد بلاده لتقديم ضمانات مكتوبة بشأن عدم تطوير قنبلة نووية، في حين شدد نتنياهو على أن إسرائيل لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف.
ويرى مراقبون أن الاتفاق على خارطة طريق زمنية لمدة ستين يوماً يمثل أول تقدم ملموس بين الجانبين منذ اندلاع الأزمة الأخيرة، إلا أن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على تنفيذ التفاهمات الأولية واحتواء التوترات الإقليمية، خصوصاً في لبنان ومضيق هرمز، خلال الأسابيع المقبلة.
قد يهمك أيضـــــــا :
إيران تعلّق محادثات سويسرا مع واشنطن بعد تهديدات ترامب
الولايات المتحدة تعلن أن المحادثات مع إيران في سويسرا استمرت طوال الليل على الرغم من غضب الوفد الإيراني
أرسل تعليقك