تواصل دولة الإمارات استعداداتها لإطلاق مهمة استكشاف حزام الكويكبات خلال الربع الأول من عام 2028، في خطوة جديدة ضمن برنامجها لاستكشاف الفضاء العميق، حيث تستهدف المهمة دراسة سبعة كويكبات والتعرف على خصائصها الفيزيائية والكيميائية وتركيبها المعدني، بما يسهم في كشف المزيد من أسرار نشأة النظام الشمسي وتطوره.
وأكد محسن العوضي، مدير إدارة المهمات في وكالة الإمارات للفضاء، أن المهمة تمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأمد في مستقبل قطاع الفضاء الوطني، وتسهم في تطوير الكفاءات الإماراتية وتعزيز الصناعات الفضائية وفتح آفاق اقتصادية جديدة، مشيراً إلى أن أعمال التطوير حققت تقدماً نوعياً، وأن المركبة تستعد للإطلاق وفق الجدول الزمني المحدد خلال الربع الأول من عام 2028.
وأوضح العوضي أن الكشف عن مركبة الهبوط، التي جرى تصميمها وتطويرها وتجميعها واختبارها بالكامل داخل دولة الإمارات خلال أقل من عامين، يمثل أحد أبرز الإنجازات الهندسية للمهمة، ويعكس تطور القدرات التقنية الوطنية في مجال استكشاف الفضاء العميق.
وأضاف أن مركبة الهبوط اجتازت الاختبارات الفنية والبيئية اللازمة للتحقق من جاهزيتها للطيران، وستتولى تنفيذ واحدة من أكثر العمليات تعقيداً خلال الرحلة، من خلال الانفصال عن «المستكشف محمد بن راشد» والاقتراب من سطح الكويكب «جوستيشيا 269»، الوجهة السابعة والأخيرة للمهمة، لالتقاط صور تفصيلية تساعد العلماء على دراسة خصائصه.
وأشار إلى أن معهد الابتكار التكنولوجي أدى دوراً رئيسياً في تطوير مركبة الهبوط، بمشاركة مؤسسات بحثية وشركات وطنية، لافتاً إلى استعداد المركبة للانتقال إلى مختبر فيزياء الغلاف الجوي والفضاء بجامعة كولورادو بولدر في الولايات المتحدة، لدمجها مع المستكشف واستكمال الاختبارات النهائية والاستعداد للإطلاق.
وأكد العوضي أن المهمة تجاوزت مراحل التصميم والمراجعات الهندسية وانتقلت إلى مرحلة التجميع والتكامل والاختبار، بعد استكمال المراجعة الحرجة لتصميم المركبة الفضائية خلال عام 2025، واجتياز مراجعة تكامل الأنظمة في سبتمبر من العام نفسه.
وتعمل الفرق الهندسية حالياً على دمج الأنظمة الفرعية للمستكشف واختبارها، بالتوازي مع الاستعدادات لدمج مركبة الهبوط، على أن تشمل المراحل المقبلة استكمال الاختبارات الفنية والبيئية للمركبة المتكاملة، وإجراء مراجعات الجاهزية النهائية، قبل نقلها إلى موقع الإطلاق في اليابان.
ومن المقرر أن تستغرق رحلة المهمة نحو ثماني سنوات، تقطع خلالها المركبة مسافة تصل إلى خمسة مليارات كيلومتر، حيث يتوقع وصول المستكشف إلى أول الكويكبات المستهدفة، «فيسترفالد» (10253 Westerwald)، في فبراير 2030، قبل مواصلة رحلته إلى بقية الكويكبات السبعة.
ولفت العوضي إلى أن فرق المهمة قدمت 10 أوراق تقنية خلال المؤتمر الدولي للملاحة الفضائية 2026، تناولت مختلف جوانب التطوير والتحديات الهندسية والأبحاث العلمية المرتبطة بالمشروع.
وحول الأهداف العلمية للمهمة، أوضح أن المشروع يستهدف دراسة أصول الكويكبات الغنية بالمياه ومراحل تطورها، والتعرف على خصائصها الفيزيائية والكيميائية وتركيبها المعدني، بما يساعد على فهم المواد الأولية التي أسهمت في تكوين النظام الشمسي.
وأضاف أن الكويكبات تحتفظ بمواد وخصائص تعود إلى مليارات السنين، ما يجعلها مصدراً علمياً مهماً لدراسة المراحل الأولى لنشأة النظام الشمسي وتطوره، مشيراً إلى أن المهمة تسعى إلى الإجابة عن تساؤلات علمية تتعلق بالدور المحتمل للكويكبات في نقل المياه والمركبات العضوية إلى الكواكب الصخرية، إلى جانب دراسة مواردها وإمكانات الاستفادة منها مستقبلاً.
وأوضح أن استكشاف سبعة كويكبات خلال رحلة واحدة يتيح إجراء مقارنات علمية بين خصائصها وتركيبها وأصولها، ويساعد الباحثين على تكوين صورة أشمل عن العمليات التي أسهمت في تشكل هذه الأجرام السماوية وتطورها.
وأشار إلى أن الكويكب «جوستيشيا 269»، الذي يمثل الوجهة الأخيرة للمهمة، يتمتع بأهمية علمية خاصة، نظراً لخصائصه الطيفية التي تشير إلى احتمال نشأته في حزام كايبر عند الأطراف الخارجية للنظام الشمسي، قبل انتقاله إلى موقعه الحالي في حزام الكويكبات الرئيسي، وهو ما قد يوفر أدلة جديدة حول حركة الأجرام السماوية وانتقال المياه والمواد العضوية عبر النظام الشمسي في مراحله المبكرة.
وفيما يتعلق بالتحديات الهندسية، أكد العوضي أن المهمة تعد الأكثر تعقيداً في تاريخ برنامج الفضاء الإماراتي، بسبب المسافات الشاسعة التي ستقطعها المركبة، وتعدد الكويكبات المستهدفة، واختلاف الظروف البيئية التي ستواجهها خلال الرحلة.
وأوضح أن أبرز هذه التحديات تشمل التغيرات الكبيرة في درجات الحرارة أثناء المرور بالقرب من كوكب الزهرة والرحلة إلى ما بعد مدار المريخ، فضلاً عن متطلبات الملاحة الدقيقة لتنفيذ مناورات الاستفادة من جاذبية الزهرة والأرض والمريخ، والتحليق بالقرب من كويكبات صغيرة بسرعات عالية.
وأضاف أن إدارة الاتصالات والطاقة تصبح أكثر صعوبة كلما ابتعدت المركبة عن الأرض، نتيجة تأخر وصول الإشارات وانخفاض شدة الإشعاع الشمسي، مشيراً إلى أن المركبة تتضمن أنظمة متقدمة لإدارة الطاقة والتحكم الحراري، بينما تتمتع مركبة الهبوط بقدرة على تنفيذ عملياتها بصورة ذاتية دون الحاجة إلى تدخل مباشر من الأرض.
وأكد أن ضيق نافذة الإطلاق، التي لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، يجعل الالتزام بالجدول الزمني عاملاً حاسماً في نجاح المهمة، ولذلك تعتمد الفرق على التخطيط الهندسي الدقيق والاختبارات الشاملة وإدارة المخاطر، بالتعاون مع الشركاء الوطنيين والدوليين.
ويحمل «المستكشف محمد بن راشد» أربعة أجهزة علمية رئيسية، تشمل كاميرا عالية الدقة، وكاميرا حرارية تعمل بالأشعة تحت الحمراء، ومطيافاً للأطوال الموجية المتوسطة، ومطيافاً للأشعة تحت الحمراء، تعمل جميعها بصورة متكاملة لدراسة تضاريس الكويكبات وخصائص أسطحها وتركيبها المعدني والكيميائي، والبحث عن مؤشرات وجود المياه والمركبات العضوية.
ومن المقرر أن يدرس المستكشف الكويكب «جوستيشيا 269» من مداره لمدة تقارب سبعة أشهر، قبل انفصال مركبة الهبوط واقترابها من سطحه لالتقاط صور تفصيلية، على أن تتاح البيانات العلمية التي تجمعها المهمة للمجتمع العلمي الدولي، دعماً للأبحاث وتعزيزاً للتعاون بين المؤسسات البحثية.
وتضم المنظومة الوطنية المشاركة في تنفيذ المهمة معهد الابتكار التكنولوجي، ومجمع الشارقة للفضاء والفلك، وجامعة خليفة، وجامعة نيويورك أبوظبي، ومركز محمد بن راشد للفضاء، إلى جانب شركة «HEX20» والمركز الوطني لعلوم وتكنولوجيا الفضاء بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
كما تشمل الشراكات الدولية مختبر فيزياء الغلاف الجوي والفضاء بجامعة كولورادو بولدر، ووكالة الفضاء الإيطالية، ووكالة استكشاف الفضاء اليابانية، ووكالة ناسا، ومجموعة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، بما يدعم عمليات تطوير المهمة والإطلاق والاستفادة من خدمات شبكة الفضاء العميق.
وأكد العوضي أن نحو 150 من الكوادر الإماراتية يشاركون في تنفيذ المهمة ضمن فريق وطني موحد يعمل بالتعاون مع الشركاء الدوليين، موضحاً أن هذه الشراكات لا تقتصر على الاستفادة من الخبرات والخدمات الخارجية، بل تشمل المشاركة الفعلية للمهندسين والعلماء الإماراتيين في أعمال التصميم والتطوير والتجميع والاختبار والتشغيل.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاستراتيجي، أوضح أن المهمة تجسد مستهدفات الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء 2031، من خلال العمل على تطوير قطاع فضائي تنافسي ومستدام وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى تخصيص 50% من أعمال المهمة لشركات القطاع الخاص، بما يتيح لها المشاركة في تطوير تقنيات وأنظمة فضائية متقدمة، واكتساب خبرات جديدة تدعم نموها وتوسعها وتعزز قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
وأضاف أن المهمة توفر فرصاً متخصصة للكفاءات الإماراتية في مجالات تصميم المركبات الفضائية وتطويرها، والملاحة بين الكواكب، وأنظمة الهبوط الذاتي، وإدارة العمليات الفضائية وتحليل البيانات العلمية.
وأكد أن دولة الإمارات تبني من خلال هذا المشروع على الخبرات الوطنية التي أرستها مشروعات فضائية سابقة، وفي مقدمتها مسبار الأمل، للانتقال إلى مرحلة جديدة من التعقيد العلمي والهندسي في مجال استكشاف الفضاء.
واختتم العوضي بالتأكيد على أن نجاح المهمة لن يقتصر على تحقيق نتائج علمية جديدة، بل سيمتد إلى ما ستوفره من خبرات وكفاءات وتقنيات وشركات وطنية أكثر قدرة على المنافسة، بما يدعم نمو الاقتصاد الفضائي الإماراتي ويعزز جاهزية الدولة لتنفيذ مهمات فضائية مستقبلية.
قد يهمك أيضـــــــا :
«الإمارات للفضاء» تُعلن عن 40 مليار درهم حجم استثمارات الدولة في قطاع الفضاء
«الإمارات للفضاء» تعلن عن المراجعة «لأستكشاف حزام الكويكبات»
أرسل تعليقك