لوحة حماة الحياة

يقدم معرض «القرن القصير» الذي افتتح مساء أمس في متحف الشارقة للفنون، لمحة مكثفة عن الحراك الفني في المنطقة العربية خلال القرن العشرين، عبر عشرات الأعمال المختارة من مقتنيات مؤسسة بارجيل للفنون، لفنانين من مصر والمغرب والجزائر والسودان وفلسطين ولبنان وسواها، وقد أنجزت في معظمها خمسينات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وقد اختار المعرض لملصقه الاشهاري (البوستر) لوحة للفنان المصري حامد عويس (1919 - 2011) كان أنجزها 1968 تحت عنوان «حماة الحياة»، وتظهر فيها صورة مجسمة لجندي يحمل سلاحاً، وقد وقف في هيئة حارس لحقل الحياة اليومية الممتد أمامه، بما فيه من تجارة وزراعة وأعراس وغراميات وساحات لعب، فيما نهضت من خلفه عمائر المدينة ومساجدها ومصانعها.

يمكن القول، إن من بين ما أراده المعرض، إبراز دور الفن العربي خلال السنوات المئة الماضية، خصوصاً في تحصين الحياة اليومية ورعايتها حتى تزهر صناعةً وإبداعاً وإقبالاً على إعمار الأرض بالغرس الطيب واللعب والحب والجمال.

    
لقد شهد القرن الماضي العديد من التحولات التي كان لها كبير الأثر، من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي. وكما يرد في النص التقديمي الخاص بالمعرض فأن المئوية الفائتة استهلت عربياً باتفاقية سايكس بيكو (1916) وسقوط الامبراطورية العثمانية (1920) وسواها من أزمات وانهيارات، ولكنها أيضاً عرفت نشاط حركات التحرر الوطني ونيل المستعمرة استقلالها والعديد من الكشوفات العلمية والتكنولوجية. لا يقدم المعرض، عبر أعماله تمثيلاً مباشراً لكل تلك التبدلات المجتمعية، ولكنه يعطي فكرة عن طبيعة شواغل الفنانين العرب وتوجهاتهم في تلك الفترة.

عنوان المعرض «القرن القصير»، وهو وصف مستلهم من عنوان لكتاب صدر ضمن سلسلة من الكتب للمؤرخ البريطاني الراحل إريك هوبزباوم ترجم إلى العربية بعنوان «عصر التطرفات: القرن العشرون القصير 1914 - 1991»، يذكر بمعرض دولي متنقل كان نُظم في ميونيخ، برلين، شيكاغو، نيويورك، 2001 - 2002، ولكن، ما يميز هذا المعرض انصرافه إلى التجربة الفنية العربية، بصفة خاصة. إن نظرة سريعة إلى معروضات المعرض تظهر تعدداً ثرياً في موضوعاتها وتقنياتها، فمن صور المناظر الطبيعية إلى البورتريهات وإلى المجسمات ومن التوجهات الواقعية إلى التجريدية والتعبيرية، إضافة إلى اختلافها على مستوى خاماتها ونوعيات ألوانها، وقد بدت مميزة في هذا الإطار، جملة من الأعمال عُرضت في صالة واحدة، لاشتراكها في مقاربة ثيمة «الرثاء». وقد ظهر واضحاً الحضور الكثيف لأعمال الفنانين المصريين مقارنة ببقية الفنانين العرب، ولعل السبب في ذلك عراقة الممارسة الفنية في مجتمع القاهرة وتعددها وتنوعها.