اللغة العربية

يصادف كثيرا قارئ تاريخ اللغة العربية وآدابها ألقابا غريبة للغويين أو نحويين أو شعراء، صارت جزءا من أسمائهم، إلا أنها لم تكن إلا مجرّد ألقاب أطلقت عليهم في أزمانهم، إما بسبب خصومات المهنة، أو العداوات الشخصية، أو لسبب يتعلق بحادثة طريفة ما، أو لارتباط اللقب بصاحبه، جسدياً أو سلوكياً، فالقارئ في تاريخ اللغة العربية، حصراً، سيصادف، اسم (عنبسة الفيل)، وهو عنبسة بن معدان المهري، أحد أشهر لغويي اللغة العربية القدامى، بل إن اسمه جزء جوهري من تاريخها، وبخاصة أنه تعلّم نحو العربية من أبي الأسود الدؤلي، مع زميله الذي لا يقل شهرة عنه، ميمون الأقرن، حيث يرد اسما هذين الرجلين، في أي مصنّف عن تاريخ العربية.

الفيل
ولُقّب عنبسة، بالفيل، لا لضخامة في جسمه، كما يخيّل في الوهلة الأولى، بل التصق به هذا اللقب، بسبب حادثة حصلت لأبيه، بخصوص فيلة يتم إنفاق عشرة دراهم على إطعامها، فأثرى أبوه من هذا الأمر، وصار لقب الفيل ملازماً لابنه، وهو أحد أهم اللغويين القدامى. ويقول القفطي، جمال الدين علي بن يوسف المتوفى سنة 624 للهجرة، في مصنفه المعروف (انباه الرواة على أنباء النحاة): "وكان عنبسة بن معدان يعرف بالفيل" قائلاً إنه كان "أبرع" أصحاب أبي الأسود الدؤلي.

الببغاء
على غرار الفيل، سيجد قارئ آداب العربية، لقب الببغاء، أيضاً، إلا أنه اللقب الذي سيسبق الاسم هذه المرة، فيقال: "الببغاء أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي" كما يترجمه ابن خلكان في (وفيّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان)، وقال إن الثعالبي كان كثير الثناء على الببغاء المذكور. وينقل ابن خلكان، سببين، لإطلاق لقب الببغاء على هذا الشاعر، الأول لـ"حُسْن فصاحته" والثاني يناقض الأول، لـ"لثغة في لسانه".
وتوفي الببغاء سنة 398 للهجرة، وكان ممن خدم لدى سيف الدولة الحمداني، صاحب حلب، ممدوح المتنبي الشهير، حسب ما نقله ابن خلكان.

أقرأ أيضًا

"التراسل" هو الجسر الحقيقي بين الشعر العربي وبقية الفنون

الفأر
وأطلق لقب (الفأر) على أحد المصنفين والشعراء من أهل الأندلس، لأسباب تتعلق بمسألتين، على ما ذكره مترجموه، وهي الشكل والسلوك الشخصي، والسلوك الشخصي بصفة خاصة. والمصنف المعروف بابن الأبار، محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي الأندلسي، (595-658) للهجرة، صاحب كتب عديدة في الأدب، مثل (تكملة الصلة) و(هداية المعترف في المؤتلف والمختلف) وكتاب (التاريخ) الذي يقول مؤرخو الأدب إنه قتل بسببه، وله مصنف شهير باسم (تحفة القادم في شعراء الأندلس).
ويقول التلمساني، أحمد بن محمد المقري، (986-1041) للهجرة، في موسوعته ذائعة الصيت (نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب) لدى ترجمته ابن الأبار، إن الأخير كان يلقب بالفأر من قبل أعدائه، وينقل شعراً قيل فيه يذمّه:

لا تَعجبوا لمضرّة نالت جميع الناس صادرة عن الأبار
أوليس فأراً خلقةً وخليقةً والفأرُ مجبولٌ على الإضرار؟!

ويقول المحقق الدكتور إبراهيم الأبياري، لدى تقديمه لكتاب (المقتضب من كتاب تحفة القادم لابن الأبار) إن الأخير كان "خبيث اللسان إذا هجا، لا يعرض لخصمه في وضح النهار، ولكنه يدبّ له الضرّاء، أشبه شيء بالفأر إيذاء واستخفاء". مرجحاً أن حتى كنيته ابن الأبار، لقب عليه، من (أبْر) اللسان وهو أن "تشوك به وتؤذي، وخصّوه بالنميمة" وينتهي إلى أن لقب ابن الأبار، جاء "من النميمة والدس والقدرة على الإيقاع والإيذاء، لا على أنها من صناعة الإبر واحترافها، ولا من الأبر الذي هو تلقيح النخل".

كُراع النمل!
والتصقت ألقاب غريبة ببعض اللغويين والمصنفين، كلقب (كُراع النّمل) وأطلق على اللغوي المصنف علي بن الحسن الهنائي الأزدي، والمتوفى سنة 316 للهجرة، ويعرف بكُراع النمل، حصراً.

وكُراع النَّمل، مصنف وراوية، له (المجرّد في غريب كلام العرب ولغاتها) و(كتاب المنجد فيما اتفق لفظه واختلف معناه) وكتاب (الأوزان) في اللغة، ومصنفات هامة عديدة. وأطلق عليه لقب (كراع النمل) لأنه كان "دميم الخلقة" بحسب القفطي السابق ذكره. لكن الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب (729-817) للهجرة، صاحب (القاموس المحيط) يقول إنه لُقب بكراع النمل "لصغره ودمامته" حسب ما ورد في كتابه عن أئمة النحو العربي القديم والمعروف باسم (البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة) ويصفه بـ "إمام متضلّع نحواً ولغةً وعربيةً وله مصنفات حسنة". مشيراً إلى أن وفاة كراع النمل كانت ما بعد سنة 309 للهجرة.
ويشار إلى أن قضية نحت ألقاب تلتصق بالشخص، لميزة ما في جسمه، طالت آخرين في تاريخ آداب العربية، ومنها ما لا يمكن إخراجه من سباته في بطون المصنفات القديمة ونشره على الملأ! فقد التصق لقبٌ بالشاعر الشهير كثيّر عزة، وهو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر، بسبب قصر قامته، وكان يروّج عليه أن من قال إن طول قامته "أكثر من ثلاثة أشبار فقد كذب!" كما ينقل (وفيات الأعيان).

الحامض
ولا ترتبط الألقاب التي تم إطلاقها على لغويين وشعراء، فقط بالناحية الجسمانية، بل تلصق ألقاب بأشخاص، تبعاً لأمزجتهم وطبائعهم، من مثل لقب (الحامض) الذي أصبح جزءا من اسم سليمان بن محمد بن أحمد النحوي المتوفى سنة 305 للهجرة، وهو أحد علماء اللغة، وأخذ العربية عن أبي العباس المشهور بثعلب، أحد عتاة اللغة العربية الكبار المشهور كتابهم بـ(فصيح ثعلب).
ويقول ابن خلكان عن الحامض إنه كان أوحد الناس في البيان والمعرفة بالعربية واللغة والشعر، ناقلا أسماء عدة كتب للرجل من مثل مختصر في النحو وكتاب عن خلق الانسان وكتاب النبات وكتاب الوحوش. ويوضح سبب إطلاق لقب (الحامض) عليه بالتالي: "وإنما قيل عنه الحامض، لأنه كانت له أخلاق شرِسة، فلُقّب بالحامض لذلك".

شرشير
وهناك شاعرٌ وعروضي بارز، وصل إلى درجة من التبحّر ببحور الشعر العربي، قام فيها بالرد على الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العروض وصاحب كتاب العين أقدم قواميس العربية، حسب ما يذكر القفطي الذي يصفه بقوة الذكاء والفطنة، وهو عبد الله بن محمد المعروف بابن شرشير المتوفى سنة 293 للهجرة، ويعتبره ابن خلكان من الشعراء المجيدين، بل إنه يضعه في طبقة ابن الرومي الشاعر المشهور، وفي طبقة البحتري كذلك، وهي منزلة لا يحلم بها إلا كبار شعراء العربية، لكن على الرغم من الطبقة الشعرية الرفيعة التي وضع فيها عبد الله بن محمد، إلا أنه التصق به لقب "شرشير" أو "ابن شرشير" وهو اسم طائر يأتي من البلاد التركية كما قال ابن خلكان، ويصفه بأنه طائر يأتي عبر البحر "وباسمه سمّي الرجل، والله أعلم" يختم صاحب وفيات الأعيان.
ويعود سبب إطلاق لقب "شرشير" على الشاعر الذي هو بطبقة البحتري وابن الرومي، إلى كونه مولعاً بعالم الطيور والصيد، بل إنه ألف أكثر من كتاب في الطيور وصيدها، ويقول ابن خلكان إنه ألّف حتى في آلات الصيد.
ويبدو أن إطلاق اسم طائر عليه، وهو (شرشير) جاء بسبب هيامه إما بهذا الطائر، أو صيده أو لتشبيه هذا بذاك. فغلب عليه شرشير وابن شرشير وصار جزءا من اسمه، خاصة وأن هذا الطائر كان ينزل في منطقة (دمياط) البحرية التابعة لمصر، كما يؤكد ابن خلكان الذي قال إن أصل ابن شرشير من أنبار العراق، إلا أنه رحل إلى الديار المصرية وعاش فيها ومات هناك نهاية القرن الثالث للهجرة.

شَيذله
إطلاق الألقاب والتصاقها بلغويين حتى تصبح جزءا من أسمائهم وكناهم، لا يعني على الدوام، معرفة معانيها أو أسباب إطلاقها، فهناك من أطلق عليه لقب، إلا أنه حتى المصنفين عجزوا عن فهمه، من مثل (شيذله بن عبد الملك بن منصور الجبلي) المتوفى سنة 494 للهجرة، والذي يصفه ابن خلكان بفصيح اللسان حلو العبارة، وقال إنه جمع كثيراً من أشعار العرب، فضلاً من اشتغاله بالوعظ والفقه، إلا أنه عندما وصل إلى ضبط اسمه في نهاية الترجمة، كعادته وعادة المترجمين العرب القدامى، يقول: "شيذله، لقبٌ عليه، ولا أعرف معناه، مع كثرة كشفي عنه!"

قد يهمك أيضًا  :

"حاجة في نفسي" بعد ميشو و "من الجلدة للجلدة في معرض الكتاب

عروض فنية تراثية ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب