أثار فيلم "لينكولن" للمخرج اليهودي الذائع الصيت ستيفن سبيلبيرغ نقاشاً واسعاً لدى العديد من النقاد والكتاب والمؤرخين في الأوساط اليهودية والغربية في محاولة لفهم المعالجة الفنية التي اعتبرها بعضهم عملية تقديم نسخة يهودية خاصة للرئيس الأميركي السادس عشر أبراهام لينكولن، أخرجها وأنتجها اليهودي سبيلبيرغ وكتب قصتها اليهودي توني كوشنر ومثل شخصيتها أيضاً اليهودي داي لويس، حتى ذهب الأمر ببعضهم إلى اعتبار الفيلم محاولة للربط بين دور لينكولن في تحرير العبيد ودور النبي موسى (عليه السلام) في تحرير بني إسرائيل من فرعون مصر.لكن هذا النقاش غاب تماماً عن الأوساط العربية ووسائلها الإعلامية التي اقتصرت على الإشادة بالفيلم ومخرجه الهوليودي العظيم والجوائز التي رشح لها أو فاز بها، والتسليم بأن سبيلبيرغ قدم الفيلم تخليداً لذكرى الرئيس أبراهام لينكولن (محرر العبيد)، متجاهلة شخصية المخرج الصهيونية وعلاقة لينكولن باليهود وقصة اغتياله على أيديهم والسياق المعاصر لإنتاج الفيلم، وهي محاور أساسية لا بد من الوقوف عندها للاقتراب من فهم حقيقة الأمور.فما علاقة المخرج ستيفن سبيلبيرغ بالصهيونية؟وما علاقة الرئيس لينكولن باليهود؟ ولماذا قتله اليهود رغم مكانته عندهم؟وما الرسائل التي أراد المخرج توصيلها والقضايا التي أراد أن يخدمها في هذا الفيلم؟ ونظراً لأهمية هذه الأسئلة وكثرة التفاصيل والوقائع والمعلومات اللازمة للإجابة عليها لتوضيح أبعادها وتعميق الفهم بالمقاصد الحقيقية لمثل هذه الأفلام، ونظراً لضخامة حجم الموضوع وتشابكاته الصهيونية السياسية والاقتصادية، فإننا سنجيب على هذه الأسئلة في ثلاث مقالات متتابعة: من نافلة القول الحديث عن عبقرية سبيلبيرغ السينمائية التي جعلت منه مخرجاً وهو لم يزل في الـ١٧ من عمره عندما قدم للجمهور فيلمه القصير "ضوء النار" (Firelight) عام ١٩٦٤، ولم تمض عشر سنوات قدم فيها سبعة أفلام، حتى فاجأ الجمهور والنقاد عام ١٩٧٥ بفيلم "الفك المفترس" (Jaws) الذي حقق أعلى إيرادات لفيلم على الإطلاق في وقته داخل الولايات المتحدة وخارجها، والتي بلغت حوالي ٤٠٠ مليون دولار، في حين لم تتجاوز تكلفة الإنتاج والدعاية ستة ملايين دولار، مما حدا بالمخرج السينمائي الشهير ألفريد هيتشكوك إلى القول إن سبيلبيرغ المخرج الوحيد الذي يفكر خارج الحدود البصرية لخشبة العرض. وعلى مدى ٤٨ عاماً أخرج سبيلبيرغ ٣٤ فيلماً -كتب بعضها- كان آخرها فيلم "لينكولن" عام ٢٠١٢، بالإضافة إلي كتابة ٣ أفلام وإنتاج ٥ آخرين، ناهيك عن ٣ أعمال تلفزيونية، وفي عام ١٩٨١ أسس شركة "دريم ووركس" للإنتاج السينمائي. وقد صنفته مجلة "الإمبراطورية" المتخصصة في السينما كأعظم مخرج سينمائي على مر الزمان.وكانت عبقرية سبيلبيرغ السينمائية تكمن في نقل الجمهور إلى عالم الخيال الجديد بعيداً عن واقعه، مستعيناً بمخيلته الإخراجية والمساعدات البصرية التكنولوجية والجرافيكية والمؤثرات الصوتية والمعالجات الإنسانية في تجسيد هذا العالم أمام المشاهد وكأنه يلمسه بيديه. بيد أن ستيفن سبيلبيرغ المولود لعائلة يهودية أميركية عام ١٩٤٦ لم تقف عبقريته عند حدود الفن السابع، إذ كان أكثر عبقرية في توظيف هذا الفن لخدمة انتمائه اليهودي وأفكاره الصهيونية. ولا نغالي عندما نقول إن سبيلبيرغ يعتبر أكبر وأخطر مخرج ومنتج صهيوني عرفته السينما العالمية على الإطلاق، لما تفوق فيه من ذكاء في اختيار الأفكار والموضوعات الصهيونية ومعالجتها فنياً وتقديمها في الوقت والسياق المناسبين.إن الذاكرة العربية عند الغالبية العظمى -للأسف الشديد- تعرف سبيلبيرغ من خلال أفلام "الفك المفترس" (Jaws) و"جيوراسيك بارك" و"حرب العوالم" وسلسلة "إنديانا جونز" و"من خارج الأرض" (E.T) و"الذكاء الاصطناعي"، ولكنْ قليلون هم الذين يذكرون الأفلام الصهيونية لسبيلبيرغ التي عززت الأفكار والأساطير الصهيونية لدى جمهور المشاهدين، مثل فيلم "قائمة شندلر" ١٩٩٣ و"إنقاذ الجندي ريان" ١٩٩٨ و"ميونيخ" ٢٠٠٥، وأخيراً "لينكولن" ٢٠١٢، وكان أخطرها قبل "لينكولن" فيلم "قائمة شندلر" الذي حصل على سبع جوائز أوسكار من بينها جائزة أحسن مخرج التي حصل عليها لأول مرة، كما حصل عليها مرة أخرى عن فيلمه "إنقاذ الجندي ريان". ولم يدع سبيلبيرغ فرصة في أي فيلم أخرجه أو أنتجه يمكن استغلالها لصالح انتمائه اليهودي وفكر الحركة الصهيونية إلا وفعل، سواء بإشارات مباشرة أو غير مباشرة.أما فيلم "قائمة شندلر" السالف الذكر فقد تناول "أسطورة" المحرقة النازية ضد اليهود إبان الحرب العالمية الثانية، وأخرجه سبيلبيرغ بأسلوب الأفلام الوثائقية وقدم معظم لقطاته بالأبيض والأسود ليكون أكثر ثأثيراً وإقناعاً للجمهور من مختلف المستويات والانتماءات، حتى لم يسلم من هذا التأثير قسم من المشاهدين العرب.وبعد النجاح الهائل الذي حققه الفيلم في الأوساط الصهيونية، أسس سبيلبيرغ عام ١٩٩٤ مؤسسة "الناجون من المحرقة" التي أجرت مقابلات مع ٥٢ ألف شخص بين ١٩٩٤ و١٩٩٩، من بينهم اليهود الناجون من المحرقة والناجون الشواذ والسجناء السياسيون والعاملون في الإغاثة والإنقاذ والناجون من أتباع شهود يهوه. وفي عام ٢٠٠٦ دخلت المؤسسة في شراكة مع جامعة جنوب كاليفورنيا وأصبح اسمها "معهد مؤسسة المحرقة للتاريخ والتعليم المرئيين بجامعة جنوب كاليفورنيا".ويعمل المعهد من خلال الجامعة وشركائه حول العالم لدعم أبحاث الهولوكوست، وهو يعمل -على سبيل المثال- مع مؤسسة "خدمة الهولوكوست النمساوية" لتوفير المصادر والأدوات المساعدة للمعلمين والباحثين عن طريق الإنترنت، وإتاحة أرشيف شهادات المحرقة للأغراض التعليمية. وتقديراً لجهوده في خدمة القضية اليهودية والحركة الصهيونية، أُطلق اسم ستيفن سبيلبيرغ على أكبر أرشيف يهودي مرئي وهو "أرشيف ستيفن سبيلبيرغ للأفلام اليهودية" الذي أسسته مجموعة من أساتذة الجامعة العبرية بالقدس بقيادة البروفيسور موشيه دافيس عام ١٩٦٠ تحت اسم "أرشيف أفراهام راد للفيلم اليهودي". وفي عام ١٩٧٣ أعلنت منظمة الصهيونية العالمية اعتبار الأرشيف المستودع الرسمي لأفلامها.في عام ١٩٩٨ شارك سبيلبيرغ في إنتاج فيلم وثائقي باسم "الأيام الأخيرة"، يروي قصص خمسة من يهود هنغاريا وما تعرضوا له في معسكرات الاعتقال النازية، وقد فاز الفيلم بجائزة الأكاديمية الأميركية لأحسن فيلم وثائقي. وفي عام ١٩٩٦ نقل الأرشيف إلى مقره الحالي بكلية الإنسانيات بالجامعة العبرية في جبل المكبر بالقدس، ويحتوي على ١٦ ألف عنوان لأفلام وفيديوهات تخص اليهود والحركة الصهيونية.وفي عام ٢٠٠٦ تبرع سبيلبيرغ، الذي تقدر ثروته بـ٢.٣ مليار دولار، بمليون دولار للحكومة الإسرائيلية إبان حربها على لبنان. وغالباً ما كانت أفلام سبيلبيرغ الصهيونية ما تعقب نجاحاً كبيراً في دور العرض لأحد أفلامه الخيالية المثيرة، فبعد النجاح الذي حققه الجزء الأول من فيلم "جيوراسيك بارك" ١٩٩٣ قدم فيلم "قائمة شندلر" ١٩٩٣، وبعد النجاح الذي حققه الجزء الثاني في ١٩٩٨ من "جيوراسيك بارك" قدم فيلم "إنقاذ الجندي رايان"، وبعد نجاح فيلمه "حرب العوالم" ٢٠٠٥ قدم فيلم "ميونيخ" ٢٠٠٥، وبعد نجاح فيلمه "الذكاء الاصطناعي" ٢٠٠١ قدم فيلمه "تقرير الأقلية" ٢٠٠٢، الذي أنتج مع تداعيات تفجيرات ١١ سبتمبر/أيلول ٢٠٠١ وهو يرسخ فكرة التنازل عن جزء من الحرية الشخصية للحفاظ على مكتسبات الدولة، وقد أيد سبيلبيرغ حينها تصريحات الرئيس جورج بوش الابن التي قال فيها إنه يجب خلعهم من الجذور أولئك الأفراد القلائل الذين يشكلون خطراً على طريقتنا في الحياة. لقد جعل سبيلبيرغ المحرقة وأساطيرها المحرك (الدينامو) للصهيونية ومبرراتها والباعث المتواصل في العقل الجمعي للمجتمعات البشرية التي تشاهد أفلامه لتحافظ على تعاطفها مع الشعب اليهودي وتزيد من دعمها للحركة الصهيونية ومؤسساتها.إن سبيلبيرغ معروف بشخصيته المتشددة تجاه القضايا التي يؤمن بها، فهو لا يرى حرجاً في دعم جمعيات الشواذ جنسياً، وقد قدم لهم دعماً وقدره ١٠٠ ألف دولار عام ٢٠٠٨، ودفعه موقفه هذا إلى الانسحاب من عضوية المجلس الاستشاري الوطني للكشافة عام ٢٠٠١ بسبب موقف المجلس المناهض للشذوذ الجنسي. كما انسحب من اللجنة الاستشارية للأولمبياد التي أقيمت في الصين عام ٢٠٠٨ بسبب موقف الصين الداعم للحكومة السودانية التي يعتبرها سبيلبيرغ مسؤولة عن أعمال العنف بإقليم دارفور.وأخيراً قدم لنا سبيلبيرغ نهاية العام الماضي آخر أفلامه الصهيونية "لينكولن"، الذي يتناول الشهور الأربعة الأخيرة من حياة الرئيس لينكولن، والتي حصل فيها على موافقة الكونغرس على التعديل ١٣ للدستور والقاضي بتحرير العبيد ومنع العبودية، وذلك بعد ١٤٦ عاماً على اغتياله.(وفي الجزء الثاني من هذه السلسلة نتوقف عند حقيقة علاقة الرئيس أبراهام لينكولن باليهود ومفاصل نفوذهم أثناء حكمه ودوافعهم لاغتياله).