"مجلس الآباء"

توقفت سيارة أمام مدخل المبنى، الذي يقع على شاطئ خور رأس الخيمة، وترجل منها رجل كهل يتوكأ على عصا، وبمشقة سعى لصعود العتبات المؤدية إلى داخل المبنى، لكنه في النهاية نجح في تحقيق هدفه، بعد ذلك كانت في كل مرة تقف سيارة، ويترجل منها رجل كبير السن، يساعده السائق، ويدخل ذلك المبنى الذي بحسب اللوحة المرفوعة عند مدخله يسمى "مجلس الآباء"، ويروي عيسى بن حسن الزعابي حكايته، قائلًا:

وكان المرحوم الشيخ صقر بن محمد القاسمي، حينما كان حاكمًا لرأس الخيمة، يتفقد ذات مرة منطقة شاطئ الخور، فالتقى مجموعة من المواطنين كبار السن، فسألهم عن سبب جلوسهم تحت حرارة الشمس، فذكروا له عدم وجود مكان يجلسون فيه فوعدهم بحل المشكلة، وفي اليوم نفسه جاءت مجموعة من العمال بمعاول البناء، وفي غضون فترة وجيزة أقاموا المبنى، الذي صار يعرف لاحقًا بـ"مجلس الآباء".

وتابع الزعابي الملقب بـ"المركب": "من بعد ذلك صار هذا المبنى قِبلة يقصده الشيّاب في كل يوم، حيث يلتقون مع بعضهم بعضًا، ويستمتعون فيه باجترار الذكريات المستمدة من الماضي البعيد، ويرسخ المبنى لعادة الجلوس في تجمعات ألِفها أبناء رأس الخيمة أبًا عن جد منذ قديم الزمان، وما انفكوا يمارسونها إلى يومنا هذا".

ويقع "مجلس الآباء" في المكان نفسه الذي كان في الخمسينات سوقًا للسمك، ومن بعده للخضار، ثم شبرة للشرطة، وأخيرًا كان مرسى للعبرة، وهي المراكب الخشبية التي كانت الوسيلة المستخدمة لنقل الناس عبر الخور بين مدينة رأس الخيمة القديمة والنخيل وبالعكس، قبل انتهاء دورها مع افتتاح الجسر، وقد تم تصميم البناء ليتواءم مع احتياجات كبار السن، ومن غير مصاعب في المواصلات تواجههم في الوصول إليه، حيث يقع بالقرب من الطريق الرئيس، وفيه تتوافر جميع التجهيزات الخدمية الضرورية، مثل الشاي والقهوة والتمر، وتقدم إليهم مجانًا علاوة على التلفاز.

وبعكس دور العجزة، التي يرمي فيها بعض الأبناء آباءهم وأمهاتهم، هربًا من مسؤولياتهم فإن الشياب يأتون إلى "مجلس الآباء" طواعية في فترتي الصباح والمساء، في سياراتهم الخاصة التي يقودها أحد أفراد الأسرة أو سائق عامل، وإن كان معظم الآباء يتمتعون بالصحة الجسمانية، التي تمكنهم من إدارة شؤونهم الخاصة بأنفسهم، فإن منهم من يتوكأ على عصا، بيد أن ما يجمعهم هو الحرص الشديد على الحضور إلى المجلس بغية لقاء "الربع".

وذكر عيسى الزعابي "بالتأكيد نحن نشتاق إلى بعضنا بعضًا.. ولِمَ لا؟! فكل هؤلاء الرجال الذين يجلسون هنا في هذا المجلس يشكلون جزءًا من تاريخ بعضهم، فمثلًا كانوا شركاء في مهنة الغوص، أو عاشوا معًا في سنوات الاغتراب، بل تقاسموا تكبد وعثاء الأسفار التجارية".

عندما يأتي أحد الشياب إلى مجلس الآباء، يحرص على مصافحة كل من سبقوه بالحضور فردًا فردًا، وقبل احتساء القهوة والشاي، يسعى للاطمئنان على أحوال "الربع"، ويسارع إلى تفقد من غاب في ذلك اليوم، ويتصل به للسؤال عنه.

ومن غير ترتيب مسبق، يروي أحد الحاضرين حكاية من الماضي البعيد، فمثلًا عيسى الزعابي كان يروي للحاضرين حينما دخلنا المجلس عن أسفاره إلى الهند وإفريقيا، فيقول: "عندما كنت شابًا يافعًا، ركبت على سفينة سلطان بن سيفان، وكان عددنا 30 شخصًا، وكما هي الحال في كل مرة تتوجه السفينة بنا إلى العراق، الذي كان وقت ذاك دولة غنية، ويتم تحميلها بشحنة تزن 12 ألف طن من التمور، ومن هناك تتوجه إلى بومباي، أو مدينة بنقلور جنوب الهند، لتفرغ حمولتها لدى أحد التجار، وبدلًا من ذلك يتم تحميلها بالسيراميك الأحمر، وتتجه به إلى إفريقيا، حيث ممباسا في كينيا أو أحيانًا زنجبار أو دار السلام، وفي أعقاب تفريغ الحمولة نقوم بغسل السفينة وتنظيفها من كل الشوائب، ثم تحميلها بخشب الصندل".

وعن شهر رمضان، يحكي محمد عبيد النعيمي أنه "لعدم توافر وسائل اتصال حديثة، كالمتوافرة الآن، كان الحاكم يتولى أمر إبلاغ الناس بالمناسبات الدينية وغير الدينية، فعلى سبيل المثال يستدعي ولاة المناطق، ويبلغهم بموعد الصيام، ويطلب منهم نشر ذلك الخبر في مناطقهم، أما في مدينة رأس الخيمة فيكون الإبلاغ عبر المدفع، ومن المشاهد المألوفة في الشهر الكريم أن الأهالي قبل بدء الصيام يذهبون إلى السوق لإحضار المواد التي يحتاجونها، وبالطبع ليس من بينها ما يستدعي التخزين المبرد مثل اللحوم والأسماك، لعدم وجود الثلاجات في ذلك الوقت، وأيضًا من المظاهر المألوفة في رمضان حرص أهل (الفريج) على تناول وجبة الإفطار خارج بيوتهم، على شكل مجموعات، بهدف استقطاب أبناء السبيل".

من جانبه، يرى راشد بن عبدالرحمن الحاي أن الطب البديل، الذي كان يعتمد عليه في الماضي كأساس للعلاج، حقق نتائج علاجية مضمونة أكثر من الطب الحديث: "كان من يشعر بالمرض يذهب إلى أحد الأشخاص، الذين اكتسبوا مهارة العلاج، ومن خلال النظر واللمس يمكنه تحديد المرض، ثم العلاج، الذي غالبًا يكون بآيات من القرآن، وجرعة عسل ووسم بالنار والحجامة، بالإضافة إلى أدوية عشبية، يتم جلبها من البيئة الجبلية".