صفاقس وتجديد الفكر

صفاقس وتجديد الفكر

صفاقس وتجديد الفكر

 صوت الإمارات -

صفاقس وتجديد الفكر

بقلم : عبد الحسين شعبان

 كان الإعلان عن اختيار صفاقس المدينة التونسية الثانية (تبعد نحو 300 كم عن مدينة تونس) عاصمة الثقافة العربية حدثاً مهمّاً، ليس على صعيد تونس فحسب، بل على الصعيد العربي أيضاً، لما تتميّز به المدينة من فاعلية ثقافية وحيوية اجتماعية واقتصادية.

 وقد تسنّى لي زيارة المدينة مرّتين، الأولى بُعيد ربيع الياسمين، والثانية بتنظيم لقاء لي مع نخبة متميّزة من المثقفين والأكاديميين والأدباء الصفاقسيين، بصحبة الأكاديمي والمثقف الدكتور خالد شوكات.

 واكتشفتُ المدينة وعوالمها ومساحات التواصل والتجاذب بينها وبين مدن أخرى، وقد يكون التبادل التجاري والثقافي أحد وجوه تلك العلاقة. ولا أذيع سرّاً إذا قلتُ إنني استمتعت واستفدت من أجواء اللّقاء الذي خصّص لمناقشة  تجديد الفكر العربي المعاصر، مثلما في كل مرة كنت أنبهر بالغابات الشاسعة لأشجار الزيتون، التي قلت عنها: إنها بحر بلا ضفاف، في كتاب نشرته يؤرّخ للثورة التونسية بعنوان: "الشّعب يريد: تأمّلات فكرية في الربيع العربي". 

 أتفهّم حجم الانفجار الذي حصل بالبلاد، لكن الدولة على الرغم من بعض مظاهر الفوضى والعنف بعد الثورة، حافظت على نفسها وعلى هيبتها، وإذا كانت سفينتها لم ترسُ بعد، لأن رياحاً مختلفة تتجاذبها، إلاّ أنها تتّجه نحو الشاطئ، وبالرغم من المنعرجات والتحدّيات التي واجهتها التجربة، لكنها هي الأنجح على المستوى العربي حتى الآن، ويتوقف على استمرارها وتقدّمها ارتفاع منسوب التغيير في العالم العربي، خصوصاً إذا ما ترسّخ عبر حكم القانون وفصل السلطات واستقلال القضاء وتعزيز الحرّيات وحقوق الإنسان.
 كان اللقاء قد طرح سؤالاً ظلَّ يتكرّر منذ عهد النهضة قبل قرن ونيّف من الزمان وإلى الآن، ونعني به مسألة التجديد والمساحات المتاحة للمشترك الجامع بين التيارات الفكرية، وأول الفلسفة سؤال كما يُقال: ما الفكر وكيف يمكننا تجديده؟ ثم ما هي العقبات التي تعترض ذلك؟ وماذا نريد؟ وما هي التحدّيات التي تواجهنا؟
 وقبل هذا وذاك، هل هناك فكر عربي معاصر واحد وموحّد، أم أننا أمام حزمة من التيارات الفكرية المتضاربة والمتقاربة، المتشدّدة والمرنة، الشمولية والليبرالية، التقدمية والرجعية، اليسارية واليمينية؟

 وهذه التوجّهات والمرجعيات بعضها ينتمي إلى التيار الإسلامي، وهذا هو الآخر ينقسم إلى إسلامي متنوّر وإسلامي محافظ وإسلامي إرهابي "متأسلم"، حسب بعض التصنيفات، فضلاً عن الفيروس الطائفي الذي ضرب بعض الجماعات الإسلامية، فهذا إسلام سني وذاك إسلام شيعي، وهناك "إسلام" تكفيري "داعشي"، وأحياناً تلتقي بعض هذه الفِرَق في إطار الإسلاملوجيا

والمقصود "الإسلام ضدّ الإسلام" بتقديم قراءات خاطئة وتفسيرات مشوّهة للإسلام، كقيم إنسانية بما يعاكسها، ولكن باسم الإسلام، أفلا تقوم "داعش" بالذبح والقتل والتفجير والتفخيخ والعمليات الانتحارية باسم الله وترفع مصحفه المقدّس فوق الرؤوس؟

 والأمر ينطبق كذلك على التيار القومي العربي، فبعضه لا يزال متمسكاً بلغته الخشبية التي عفا عليها الزمن، ولا يزال متشبثاً حتى بارتكابات أنظمته وجرائمها، والفريق الآخر حتى وإن حاول التجديد، لكنه لم يمتلك أدواته وظلّ محافظاً وينتمي في الغالب إلى الماضي. وبقيت قراءته للحاضر مشوّشة واختزالية. وباستثناءات محدودة، لم يتمكن التيار القومي العربي تقديم

صورة حضارية للعروبة كرابط جامع، فضلاً عن الأنظمة التي حكمت باسمه، ولم تكن سوى أنظمة استبداد وتسلّط، وعلى أقل تقدير معادية للديمقراطية، وقدّمت مفهوماً مشوّهاً لها، وفي الممارسة كانت بالضد منها.
 أما التيار الاشتراكي، الماركسي، واليساري عموماً، فقد نضب خزينه الفكري بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وأخذ بالتشظّي إلى حدود كبيرة، ناهيك عن تخبّطه وتحالفاته غير المفهومة، ولم يتمكّن من تقديم قراءة جديدة للواقع، وفي حين أنه ترك المنهج الجدلي، إلاّ أنه تمسّك ببعض النّصوص والشّعارات الأقرب إلى الأدعية والتعاويذ.

 وقد لعبت الاتّكالية الفكرية والكسل النظري دوراً كبيراً فيما وصل إليه، خصوصاً بعد أن ضاعت بوصلته، وقاده الفشل والأزمات المتكرّرة إلى الاستمرار في تبعيته وذيليته للعديد من القوى القومية والإسلامية، وعلى أقل تقدير تاه بعضه، فلم يعدّ يفرّق بين التحرير والاحتلال، وبين معاهدة استرقاقية ومعاهدة تعاون وصداقة، وأصبحت الإمبريالية "المجتمع الدولي"، تحت ذرائع عدم الانعزال، والانفتاح بدلاً من الانغلاق.

 وعلى الرغم من عدم وجود تيار ليبرالي ديمقراطي واضح المعالم، مثل التيارات الأخرى بسبب الانقلابات العسكرية وهيمنة الفكر الشمولي، فإن من أراد العمل باسمه في بعض البلدان العربية، وإنْ كان ينتمي إليه بالاسم، لكنه في الواقع كان جزءًا من التيار النيوليبرالي، وبرّر الاستتباع والقابلية على الاستعمار حسب مالك بن نبي، بالعولمة وشروطها، في حين كان التيار

الليبرالي في السابق يدعو إلى إعلاء شأن الفرد والفردانية، والتمسّك بالحرّية كقيمة إنسانية عليا.
 ويبدو التناقض شديداً داخل كل تيار من التيارات التي وردت الإشارة إليها، فالتيار الإسلامي لا يزال يصارع اتّجاهين رئيسيين، الأوّل: موغل في التناقض بين التقليد والحداثة، وبين الأصالة والمعاصرة، والثّاني: تتنازعه الدعوة للدولة الإ...

 

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صفاقس وتجديد الفكر صفاقس وتجديد الفكر



GMT 21:41 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

أزمة الصمت

GMT 21:39 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

لا ترجعي...! :

GMT 23:22 2024 الأربعاء ,01 أيار / مايو

تحديات تحولات الكتابة للطفل في العصر الرقمي

GMT 20:35 2023 الأحد ,22 كانون الثاني / يناير

مجانية الالقاب على جسر المجاملة أهدر قدسية الكلمة

GMT 02:34 2022 الإثنين ,12 كانون الأول / ديسمبر

بيروت تتوالد من رمادها وتتزين بكُتابها.

GMT 00:53 2021 الأربعاء ,19 أيار / مايو

”أعطنى مسرحًا أُعطِكَ شعبًا مثقفًا”

GMT 20:38 2021 الأربعاء ,14 إبريل / نيسان

صندوق أسرار الزمن المعتّق

الفستان الأبيض بديل الاختيارات الداكنة في سهرات الخريف

القاهرة - صوت الإمارات
رغم أن موسم الخريف والأجواء الباردة يشتهر عادة بظهور النجمات بالإطلالات الداكنة واللون الأسود، إلا أن هذا الموسم شهد تحولاً لافتاً بعدما أطلت مجموعة من النجمات بإطلالات مسائية ساحرة باللون الأبيض الناعم خلال سهراتهن ومشاركاتهن في الفعاليات الفنية. تألقت النجمة نوال الزغبي في إحدى حفلاتها بفستان قصير أبيض بتصميم كورسيه مجسم دمج بين الدانتيل الشفاف والأقمشة الملساء، مزود بحمالات عريضة وزهور بارزة ثلاثية الأبعاد عند الخصر، ونسقته مع جوارب شفافة فاتحة وحذاء أبيض كلاسيكي. وفي فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، ظهرت النجمة هيا مرعشلي بفستان أبيض طويل يعانق القوام بأكمام قصيرة منفوخة وحواف من الدانتيل المفرغ وتنورة بقصة حورية البحر، بينما اختارت النجمة نيكول سابا إطلالة مبتكرة مكونة من توب بأكمام طويلة وياقة ...المزيد
 صوت الإمارات - صيحة الأزياء القصيرة تخطف انتباه النجمات في مهرجان الجونة

GMT 22:04 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

ماكرون يهاجم ترامب بعد حديثه عن احتجاجات فرنسا
 صوت الإمارات - ماكرون يهاجم ترامب بعد حديثه عن احتجاجات فرنسا

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 19:17 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 15:06 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

شيفروليه تطلق الجيل الجديد من سلفرادو 2019

GMT 02:47 2018 الأحد ,30 كانون الأول / ديسمبر

"نيسان" تعتزم خفض إنتاجها في أكبر سوق للسيارات بالعالم

GMT 17:10 2024 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

أجمل أماكن شهر العسل في جورجيا

GMT 04:25 2022 الأربعاء ,05 تشرين الأول / أكتوبر

مكتبة محمد بن راشد صديقة لأصحاب الهمم

GMT 19:42 2019 الأحد ,10 آذار/ مارس

تعرّف على الفوائد الـ9 لحبوب "لقاح النحل"

GMT 10:25 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى بكري يؤكد أن الإخوان هم السبب في الإلحاد

GMT 13:02 2017 الجمعة ,15 كانون الأول / ديسمبر

محمد بن زايد يزور مدائن صالح الأثرية في السعودية

GMT 19:25 2017 السبت ,09 كانون الأول / ديسمبر

طريقة طهي شوربة العدس الغنية بالمعادن

GMT 09:34 2015 الأحد ,07 حزيران / يونيو

النساء الأفغانيات يخاطرن بكل شيء من أجل الشعر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates