الاستقلالية الاستراتيجية مصدراً للقوة

الاستقلالية الاستراتيجية مصدراً للقوة

الاستقلالية الاستراتيجية مصدراً للقوة

 صوت الإمارات -

الاستقلالية الاستراتيجية مصدراً للقوة

بقلم: لحسن حداد

ما نشهده اليوم ليس مجردَ تكاثرٍ للأزمات، بل تحول بنيوي في النظام الدولي، ينتقل فيه العالم من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى تعددية قطبية تنافسية. فالولايات المتحدة والصين تتنازعان النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، وأوروبا وروسيا تتنازعان على إعادة رسم حدود الأمن القاري، فيما تتَّسع الفجوة السياسية والاقتصادية بين الشمال والجنوب. وفي الشرق الأوسط، تتباين مواقفُ الدول العربية من إيرانَ وإسرائيل. وبذلك لم يعد الاستقطاب عسكرياً فقط، بل أصبح تجارياً وتكنولوجياً وطاقياً وإعلامياً أيضاً.

في هذا السياق، يطرح سؤال مختلف حول معنى القوة: هل تكمن قوة الدولة في انخراطها الكامل في أحد المعسكرات، أم في قدرتها على الاحتفاظ بهامش من الاستقلال، والتواصل مع أطراف متنافسة في الوقت نفسه؟ فالتأثير في النظام الدولي المعاصر لا ينبع دائماً من قيادة محور، بل قد ينتج أيضاً من القدرة على الربط بين المحاور، وبناء الثقة، وتحويل الموقع الوسيط إلى رأسمال سياسي واقتصادي ودبلوماسي.

وتظهر عناصر هذا النموذج، بدرجات متفاوتة، في تجارب المغرب والسعودية والإمارات والهند وتركيا والبرازيل وإندونيسيا. ورغم اختلافِ سياساتها، يجمع بينها توسيعُ هامش الحركة بين مراكز قوة متعددة، مع ثبات المصالح ومرونة الشراكات.

هذا النمط من الدول يسمى «دول الجسور». ولا تحيل التسمية إلى موقع جغرافي فحسب، بل إلى وظيفة سياسية: الجمع بين وضوح المصالح، وتعدد الشراكات، والتواصل مع قوى متنافسة من دون التبعية لأي منها. وهي تنتج الثقة، وتفتح قنوات الاتصال، وتحول الربط والوساطة إلى نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي.

ينبغي التمييز بين دولة الجسر والدولة المتأرجحة: فالأخيرة تغيّر مواقعها تحت الضغط أو طلباً لمكاسب ظرفية، بينما تنوّع الأولى شراكاتها وفق رؤية ثابتة لمصالحها. فالاستقلالية الاستراتيجية لا تعني غياب الالتزامات، بل رفض اختزال السياسة الخارجية في الاصطفاف الأحادي. وتوضح السياسة الخارجية للسعودية جانباً من هذا المنطق؛ إذ تحافظ على شراكاتها مع الغرب، مع توسيع تعاونها مع الصين وروسيا، في انتقال من التحالف الكامل إلى تعدد الشراكات.

وتظهر صورٌ أخرى في تجارب الهند والبرازيل وتركيا. فالهند تجمع بين شراكتها مع الغرب وعلاقاتها الاستراتيجية مع روسيا؛ والبرازيل بين عضويتها في «بريكس» وعلاقاتها الغربية؛ وتركيا بين عضويتها الأطلسية وعلاقاتها مع روسيا وإيران والصين. لكن تعدد العلاقات لا يصنع جسراً تلقائياً ما لم تدعمه الثقة والاستمرارية.

ويقدم المغرب نموذجاً مهماً لفكرة دولة الجسر. فموقعه لا يختزل في القرب الجغرافي من أوروبا، بل يتقاطع فيه الانتماء الأفريقي والعربي والمتوسطي والأطلسي. كما تجمع سياسته الخارجية بين شراكات تاريخية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتعزيز حضوره المؤسساتي والاقتصادي في أفريقيا، وانفتاح متنامٍ على الصين وروسيا وتركيا، فضلاً عن روابطه مع دول أميركا اللاتينية. وتتحول هذه الهوية المتعددة إلى مورد استراتيجي حين تدعمها شبكات دبلوماسية واقتصادية وبرلمانية، وبنى لوجستية ومالية تربط بين فضاءات مختلفة. وبذلك لا يكون المغرب مجرد نقطة عبور جغرافية، بل فاعل يسعى إلى ربط أوروبا بأفريقيا، والمجال الأطلسي بالساحل، والفضاء العربي بعمقه الأفريقي.

لا يكفي الارتباط بأطراف مختلفة كي تصبح الدولة جسراً. فنجاح هذا الدور يتطلب وضوح المصالح، واستمرارية السياسة الخارجية، وقبولاً من أطراف متنافسة، ومؤسسات قادرة على تحويل العلاقات إلى مبادرات، ومنفعة ملموسة كالوساطة والاستثمار والربط اللوجستي والتعاون التنموي. ومن دون ذلك، قد يصبح تعدد العلاقات مناورة ظرفية.

لا يحتاج النظام الدولي إلى قوى الردع والتحالفات فحسب، بل أيضاً إلى دول تحدّ من تكاليف الاستقطاب وتمنع المنافسة من التحول إلى قطيعة. فالجدران التجارية والتكنولوجية، وإغلاق الحدود، وتسييس الممرات وسلاسل الإمداد، تجعل إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مورداً استراتيجياً.

وفي مقابل «دولة الجسر»، يمكن الحديث عن «دولة الحاجز»؛ أي الدولة التي تجعل القطيعة والضغط والإقصاء أدوات دائمة في سياستها الخارجية. وربما تمنحها هذه الأدوات قدرة مؤقتة على الإكراه، لكنها تستنزف رصيدها من الثقة، وتضعف أهليتها للوساطة، وتحولها من منتج للاتصال إلى منتج للانقسام. فالربط والإقصاء ليسا أداتين مختلفتين فحسب، بل فلسفتان متعارضتان في تصور العلاقات الدولية.

في عالم يزداد فيه الاستقطاب، لن تُقاس قوة الدول بما تملكه من أدوات الإكراه، بل بما تستطيع الحفاظ عليه من قنوات اتصال. فدولة الجسر لا تلغي الخلافات، ولا تقف بالضرورة على مسافة واحدة من الجميع، لكنها تمنع الاختلاف من التحول إلى عزلة دائمة، وتحافظ على إمكان التفاوض حين تبدو القطيعة هي الخيار الأسهل. وقد تكون هذه القدرة على إبقاء المستقبل مفتوحاً أحد أهم أشكال القوة في النظام الدولي الجديد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاستقلالية الاستراتيجية مصدراً للقوة الاستقلالية الاستراتيجية مصدراً للقوة



GMT 23:23 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

آيرلندا

GMT 23:22 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

الإعاقة بين الحق والشفقة

GMT 23:21 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

لٍمَ التباهي والتسابق إلى بناء المساجد؟

GMT 23:19 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

الذي يُحارَب هو: المِثال الخليجي

GMT 23:18 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

حرب ابتكار واستنزاف في سماء أوكرانيا!

GMT 23:18 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

عمل يحتاجه السودان!

GMT 23:17 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

سيناريو «الخراب الكبير»

GMT 23:15 2026 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

إيران وحروب الوكلاء

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت - صوت الإمارات
استعدت مجموعة من النجمات لفصل الخريف بتصاميم وإطلالات لافتة سيطرت عليها لمسات الدانتيل الفاخر، حيث ظهرن بأناقة استثنائية تناسب الأجواء الخريفية عبر حسابهاتهن على مواقع التواصل الاجتماعي. وتألقت النجمة اللبنانية هيفاء وهبي بفستان سهرة أسود طويل بأسلوب كلاسيكي دراماتيكي، مصنوع من قماش الدانتيل المطرز بحمالات رفيعة وقصة الكورسيه الضيقة والمحددة للجسم. وزُود الفستان بأكمام وقفازات طويلة من الدانتيل الأسود الشفاف، بينما حملت شالاً ضخماً من الريش الوردي الفاتح أضفى تبايناً جذاباً مع أقراط طويلة متدلية. وتألقت النجمة نجوى كرم بفستان عصري بطول يصل إلى الكاحل مصنوع من قماش الدانتيل المفرغ باللون البني الداكن فوق بطانة باللون النيود الشفاف، بتصميم مكشوف الأكتاف مع أكمام قصيرة منسدلة وفتحة صدر على شكل قلب وقصة كورسيه محددة لل...المزيد

GMT 20:07 2026 الأربعاء ,16 أيلول / سبتمبر

شريف منير يحسم موقفه من المشاركة في «سهر الليالي 2»
 صوت الإمارات - شريف منير يحسم موقفه من المشاركة في «سهر الليالي 2»

GMT 08:05 2020 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 02:53 2019 الجمعة ,15 آذار/ مارس

تأجيل بطولة إفريقيا للكرة الطائرة سيدات

GMT 00:58 2014 الأربعاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

831 مليون ريال حجم تداول العقارات في قطر

GMT 10:13 2018 الثلاثاء ,01 أيار / مايو

4 أجهزة لاب توب يمكن استخدامها فى العمل

GMT 03:11 2013 الإثنين ,27 أيار / مايو

صدور كتاب "أدوات وإستراتيجيات إبداعية"

GMT 01:05 2018 الثلاثاء ,13 شباط / فبراير

موراتا يغيب عن مباريات تشيلسي قبل لقاء برشلونة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates