«حاجة» في نفس القيصر

«حاجة» في نفس القيصر

«حاجة» في نفس القيصر

 صوت الإمارات -

«حاجة» في نفس القيصر

سليمان جودة
بقلم - سليمان جودة

نقرأ في القرآن الكريم أن إخوة يوسف، عليه السلام، لمّا ذهبوا إلى لقائه في مصر دعاهم أبوهم إلى دخول المحروسة من أبواب متعددة لا من باب واحد. ونقرأ أنه لم يكشف لهم عن السبب، وأنه فقط أمرهم بأن يلتزموا بما يقول.

والقرآن الكريم يصف السبب الذي لم يكشف عنه الأب بأنه «حاجة في نفس يعقوب قضاها»، أي إنه أحس بشيء في داخله يدعوه إلى توجيه الأبناء لأن يدخلوا من أكثر من باب، وألا يكون دخولهم من باب واحد. والمفسرون يجتمعون على أن السبب كان خشيةً من الحسد، وأن دخولهم متفرقين كان يكفي لأن يُبعد عنهم العين الحاسدة.

بالقياس، مع الفارق، يتبين لنا أن هناك «حاجة في نفس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين»، وأنه على أساسها يدعو الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى دخول جزيرة غرينلاند، وألا ينتظر، أو يتأخر، أو يتلكأ في هذا السبيل!

إن القيصر الروسي لا يكتفي من مكانه في الكرملين بالسكوت عن رغبة ترمب في ضم الجزيرة، ولا بالطبع يُصدر بياناً يعلن فيه رفضه، أو حتى عدم حماسته لهذا التوجه لدى الرئيس الأميركي تجاه جزيرة هي الأكبر مساحةً بعد أستراليا. لا يلوذ القيصر بالصمت كما يفعل في مواقف كثيرة تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها، ولا يفكر في أن يُبدي اعتراضاً على رغبة جامحة لدى ساكن البيت الأبيض تصطدم بمبادئ القانون الدولي الحاكمة في الموضوع.

إن الجزيرة ليست أرضاً بلا صاحب، ولكنها تتمتع بحكم ذاتي يجعلها تابعة لمملكة الدنمارك، وبالتالي، فالاستيلاء عليها هو احتلال لأرض أجنبية دون وجه حق، ولكنَّ هذا كله لا يقف في طريق الرئيس الأميركي، ولا يستوقف القيصر الروسي.

وقد بلغ الأمر مع الروس إلى حد أن وكالة «رويترز» نقلت عن ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، أن الرئيس ترمب سوف يدخل التاريخ إذا دخل غرينلاند وحصل عليها. ولم يشأ المتحدث الروسي أن يتوقف عند هذا الحد، فزاد القضية إيضاحاً، وقال إن التاريخ الذي سيدخله ترمب لو حصل على الجزيرة، هو تاريخ العالم كله، لا تاريخ الولايات المتحدة الأميركية وحدها!

روسيا بهذه الطريقة تغري الرئيس الأميركي بالمُضي في طريق الاستيلاء على الجزيرة إلى آخره، وتحرِّضه على ذلك علناً، ولا تجد أي حرج سياسي أو غير سياسي، وهي تحرِّض أو تُغري، ولا بد لذلك من سبب بالتأكيد، وهذا السبب هو ما يوازي «الحاجة» التي كتمها يعقوب، عليه السلام، وأخفاها عن أبنائه، ولم يعلنها أمامهم على الملأ.

ولا يمكن فهم «الحاجة» التي هي في نفس القيصر الروسي، إلا باستعادة ما صرحت به رئيسة وزراء الدنمارك، مته فريدريكسن، عندما حذرت الرئيس ترمب من عواقب الإقدام على غزو الجزيرة، أو محاولة الحصول عليها بالقوة. كانت قد قالت إن الإقدام على ضم غرينلاند بالقوة معناه نهاية كل شيء. وعندما أحسَّت بأن ما تقوله في حاجة إلى شرح أضافت تشرح وتقول إن عبارة «نهاية كل شيء» في حديثها تعني نهاية حلف شمال الأطلسي!

فالحلف يضم الدنمارك مع بقية الدول الأوروبية، ومعها جميعاً يضم الولايات المتحدة، التي تجلس على رأسه بحكم اعتبارات كثيرة في مقدمتها قوتها العسكرية. ونهاية الحلف معناها ألا تكون الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن أي دولة فيه تتعرض لاعتداء، ومعناه الأكثر صراحةً أن تجد أوروبا نفسها عاريةً من غطاء الحلف، وأنها تقف وحيدة في مواجهة الروس، وأن طلاقاً قد وقع بينها وبين الأميركيين.

وقد كان الأوروبيون ينظرون إلى الحرب الروسية - الأوكرانية منذ بدايتها، ليس على أنها حرب بين طرفيها الروسي والأوكراني، ولكن على أنها حرب بين روسيا من ناحية وأوروبا كلها من ناحية ثانية. كانوا ولا يزالون ينظرون إليها على هذا الأساس، وكانوا يجدون فيما يرونه بهذا الشأن سنداً أميركياً قوياً أيام جو بايدن، فلما جاء ترمب سحب هذا السند فجأة، ولم يعد الأوروبيون يجدونه إذا بحثوا عنه إلا بشق الأنفس، وصاروا يواجهون الروس بصدورهم بينما ظهورهم إلى الحائط!

فإذا حدث ومضى ترمب في طريقه نحو الجزيرة إلى غايته، فسوف يتحقق في الغالب ما حذرت منه رئيسة وزراء الدنمارك، وسوف تكون النتيجة مما يسعد به بوتين ويفرح، فالحلف سيكون قد انفرط عقده، وأي مواجهة روسية - أوروبية ستكون أسهل على الروس من الآن بكثير!

هنا تتبين لنا «الحاجة» التي هي في نفس الرئيس الروسي ونراها عاريةً. وهنا نفهم السبب الذي يجعله يدعو ترمب ليس إلى غزو غرينلاند، ولا إلى المسارعة بالحصول عليها، ولكن إلى دخول تاريخ العالم، لا تاريخ الولايات المتحدة وحدها!

تتأمل الدعوة الروسية التحريضية لترمب على غزو غرينلاند، ثم على دخول التاريخ، فلا تملك إلا أن تهتف: أيها التاريخ... كَمْ من الجرائم تُرتَكب باسمك!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«حاجة» في نفس القيصر «حاجة» في نفس القيصر



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 23:23 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

طريقة تحضير كيك القهوة بطبقات كريمية غنية

GMT 03:33 2020 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

تعرف علي أفضل طرق تعقيم الكنب

GMT 11:28 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

غادة عادل تبدأ تصوير مشاهدها في فيلم "العفريت"

GMT 00:07 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هيفاء وهبي أصبحت مادة إعلامية خصبة بعد أزمة "ثانية واحدة"

GMT 04:26 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور الزهور لإطلالة أنثوية

GMT 07:19 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

"بيتكوين" تسجل أكبر انخفاض شهري لها خلال 7 سنوات

GMT 08:22 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

بريدراج مياتوفيتش يُؤكّد أنّ إيسكو تحوَّل إلى لا شيء

GMT 02:26 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

عسكر يستقبل شويطر وشرفي ويؤكد اهتمام الأولمبية البحرينية

GMT 16:36 2018 الثلاثاء ,17 إبريل / نيسان

تجنبي تلك الأخطاء في تصميم ستائرغرف نوم المنازل

GMT 18:45 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

أدوار مراكز التفكير ومهامها

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

أسباب فقدان تركيز طفلك أثناء فترة الدراسة؟

GMT 18:45 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates