من أجمل المشاهد التى أسعدتنى فى مباراة مصر وأستراليا، مشهد محلل أداء منتخبنا أمام اللاب توب قبل ضربات الجزاء الترجيحية، وحوله اللاعبون والمدير الفنى،
يراقبون كيفية تصدى الحارس الذى تم نزوله فى آخر دقيقة لمباغتتنا وخداعنا، لأن الحارس الأساسى كانت قد تمت مراقبته، وتخمين تحركاته ودراسة ردود أفعاله، لكن ماذا نفعل مع هذا الضيف الجديد، هنا يأتى دور العلم، وهو ما أسعدنى حقيقة، أننا أخيراً تخلينا عن مدرسة الفهلوة، واقتنعنا بأن العلم هو الفيصل والمرجع،
اللقطة التى شاهدتها هى لقطة مبابى وهو يحرز ضربة الجزاء فى هذا الحارس، بطريقة البانينكا، وهى طريقة فى منتهى الخطورة، لأنها ضعيفة، لكنها لو نجحت فهى قنبلة نفسية لحارس المرمى، الذى يفقد تركيزه بعد الهدف، لأنه يسقط بشكل مخجل ومهين، فحتماً يفقد تركيزه بعدها مع اللاعبين الذين سيسددون فيما بعد،
وهذا ما حدث فعلاً مع ضربة جزاء محمد صلاح، فهو قد حفظ من هذا الفيديو أن هذا الحارس لا يقف فى مكانه فى وسط المرمى، بل يرمى بنفسه على الأجناب، قبل حتى أن يعرف الزاوية، ولهذا السبب خرجت ضربة الجزاء بهذا الشكل الذى أذهل العالم، وأصبحت معه أيقونة تاريخية، لكن هل العلم يقف فى عالم كرة القدم عند تلك النقطة فقط، لا بالطبع، فهناك علم كامل يخدم تلك المنظومة، ويحقق نجاحها وإثارتها ومتعتها التى أحسسنا بها فى هذا المونديال الذى تستضيف معظم مبارياته، أكبر دولة تكنولوجية فى العالم، وهى أمريكا،
العلم هو علم «الفسيولوجى الرياضى»، فكرة القدم الحديثة لم تعد لعبة تعتمد على الموهبة وحدها، ولا حتى على الخطط التكتيكية التى يضعها المدرب، بل أصبحت علمًا متكاملًا تشارك فيه تخصصات كثيرة، من الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات إلى الطب الرياضى وعلم الفسيولوجيا، وإذا كنا كمشجعين نراقب اللاعب وهو يجرى ويصنع الأهداف، فإن وراء هذا الأداء فريقًا من العلماء يعملون يوميًا حتى يصبح الجسد البشرى قادرًا على تقديم أقصى ما لديه طوال تسعين دقيقة، وهنا يظهر الدور المحورى للفسيولوجى الرياضى،
الفسيولوجيا الذى درسناه فى كلية الطب، هو علم عام، يتعامل مع كل الأنشطة الإنسانية، سواء رياضة أو غيرها، لكنه فى كرة القدم أصبح عنصرًا حاسمًا فى إعداد اللاعب، لأن المباراة الحديثة تختلف تمامًا عما كانت عليه أيام بوشكاش وبيليه وعبده نصحى، مع احترامى لمواهبهم الفذة، فالخطط قد تغيرت، واللاعب اليوم يقطع فى المباراة الواحدة ما بين عشرة واثنى عشر كيلومترًا، ويؤدى عشرات الانطلاقات السريعة والتوقفات المفاجئة وتغييرات الاتجاه، وهو ما يفرض ضغوطًا هائلة على القلب والرئتين والعضلات والجهاز العصبى، ولهذا يبدأ عمل الفسيولوجى قبل انطلاق الموسم بوقت طويل،
حيث يخضع كل لاعب لاختبارات دقيقة لقياس كفاءة القلب والرئتين، والحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين، والقدرة على التحمل، والقوة العضلية، وسرعة الاستشفاء بعد المجهود، ومن خلال هذه النتائج يضع برنامجًا تدريبيًا يناسب كل لاعب على حدة، لأن احتياجات لاعب الوسط تختلف عن احتياجات قلب الدفاع أو المهاجم، ولا يتوقف دور الفسيولوجى الرياضى عند التدريب، بل يراقب استجابة الجسم يومًا بعد يوم، فمن خلال أجهزة قياس نبض القلب، وأجهزة تتبع الحركة (GPS)،
وبيانات السرعة والمسافات المقطوعة، يستطيع معرفة ما إذا كان اللاعب يتطور أو يقترب من مرحلة الإرهاق، وإذا أظهرت المؤشرات أن الحمل البدنى أصبح مرتفعًا أكثر من اللازم، يوصى بتخفيف التدريب أو زيادة فترات الراحة قبل أن يتحول الإرهاق إلى إصابة، كما يعمل الفسيولوجى جنبًا إلى جنب مع اختصاصى التغذية، فيحدد احتياجات اللاعب من الكربوهيدرات والبروتين والسوائل والأملاح قبل المباراة وبعدها، لأن التغذية أصبحت جزءًا من الأداء نفسه، فاللاعب الذى يستعيد مخزون الطاقة بسرعة يستطيع الحفاظ على مستواه حتى الدقائق الأخيرة، بينما قد يفقد آخر تركيزه وسرعته بسبب نقص الوقود الذى تحتاجه العضلات، ولو عدنا للمنتخب المصرى بالذات، سنجد أن هذا العلم هو الذى أجاب عن أسئلة مثل، هل سيعود محمد صلاح بعد إصابة العضلة الخلفية؟، وهل إصابته مثل فتوح؟، وهل محمد عبد المنعم عندما تعرض لقطع فى الرباط الصليبى، هل بعد تعافيه، يكون هدفى مجرد التئام الأنسجة، أم استعادة الكفاءة الفسيولوجية الكاملة للجسم؟،
هنا يأتى دور اختبارات القوة والسرعة والتوازن والقدرة على تغيير الاتجاه والتحمل، ولا يسمح للاعب بالعودة إلى المباريات إلا إذا أثبتت الأرقام أن جسمه أصبح قادرًا على تحمل ضغوط المنافسة بأمان، مما يقلل كثيرًا من احتمال تكرار الإصابة، لم يعد هناك مكان للانطباعات الشخصية ولكن للقياسات العلمية.
فلم يعد المدرب يعتمد على انطباع، أو عبارة «اللاعب تعبان أو الظاهر إنه كويس»، بل صار يمتلك بيانات دقيقة تخبره بمعدل نبض القلب، وسرعة الاستشفاء، وحجم المجهود المبذول، وخطر الإصابة قبل حدوثها، وهكذا أصبحت القرارات المتعلقة بالتدريب والمشاركة فى المباريات تستند إلى العلم أكثر مما تستند إلى الحدس، الفسيولوجى لم يعد مجرد عضو فى الجهاز الطبى، بل أصبح أحد الأعمدة الأساسية فى منظومة كرة القدم الحديثة. فهو يحول الجسم البشرى إلى مصدر للمعلومات، ويقرأ لغة القلب والعضلات والرئتين كما يقرأ محلل البيانات لغة الأرقام.
ومن خلال هذا التكامل بين الفسيولوجيا والطب الرياضى والتغذية والتكنولوجيا، أصبح اللاعب المعاصر أكثر قدرة على الأداء، وأكثر مقاومة للإصابات، وأكثر استعدادًا للحفاظ على أعلى مستوى ممكن طوال موسم مزدحم بالمباريات، وهكذا لم تعد البطولات تُحسم بالمهارة وحدها، بل أصبحت تُحسم أيضًا بمدى قدرة العلم على استخراج أفضل ما فى الجسد.