المونديال والفسيولوجى

المونديال والفسيولوجى

المونديال والفسيولوجى

 صوت الإمارات -

المونديال والفسيولوجى

بقلم:خالد منتصر

من أجمل المشاهد التى أسعدتنى فى مباراة مصر وأستراليا، مشهد محلل أداء منتخبنا أمام اللاب توب قبل ضربات الجزاء الترجيحية، وحوله اللاعبون والمدير الفنى،

يراقبون كيفية تصدى الحارس الذى تم نزوله فى آخر دقيقة لمباغتتنا وخداعنا، لأن الحارس الأساسى كانت قد تمت مراقبته، وتخمين تحركاته ودراسة ردود أفعاله، لكن ماذا نفعل مع هذا الضيف الجديد، هنا يأتى دور العلم، وهو ما أسعدنى حقيقة، أننا أخيراً تخلينا عن مدرسة الفهلوة، واقتنعنا بأن العلم هو الفيصل والمرجع،

اللقطة التى شاهدتها هى لقطة مبابى وهو يحرز ضربة الجزاء فى هذا الحارس، بطريقة البانينكا، وهى طريقة فى منتهى الخطورة، لأنها ضعيفة، لكنها لو نجحت فهى قنبلة نفسية لحارس المرمى، الذى يفقد تركيزه بعد الهدف، لأنه يسقط بشكل مخجل ومهين، فحتماً يفقد تركيزه بعدها مع اللاعبين الذين سيسددون فيما بعد،

وهذا ما حدث فعلاً مع ضربة جزاء محمد صلاح، فهو قد حفظ من هذا الفيديو أن هذا الحارس لا يقف فى مكانه فى وسط المرمى، بل يرمى بنفسه على الأجناب، قبل حتى أن يعرف الزاوية، ولهذا السبب خرجت ضربة الجزاء بهذا الشكل الذى أذهل العالم، وأصبحت معه أيقونة تاريخية، لكن هل العلم يقف فى عالم كرة القدم عند تلك النقطة فقط، لا بالطبع، فهناك علم كامل يخدم تلك المنظومة، ويحقق نجاحها وإثارتها ومتعتها التى أحسسنا بها فى هذا المونديال الذى تستضيف معظم مبارياته، أكبر دولة تكنولوجية فى العالم، وهى أمريكا،

العلم هو علم «الفسيولوجى الرياضى»، فكرة القدم الحديثة لم تعد لعبة تعتمد على الموهبة وحدها، ولا حتى على الخطط التكتيكية التى يضعها المدرب، بل أصبحت علمًا متكاملًا تشارك فيه تخصصات كثيرة، من الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات إلى الطب الرياضى وعلم الفسيولوجيا، وإذا كنا كمشجعين نراقب اللاعب وهو يجرى ويصنع الأهداف، فإن وراء هذا الأداء فريقًا من العلماء يعملون يوميًا حتى يصبح الجسد البشرى قادرًا على تقديم أقصى ما لديه طوال تسعين دقيقة، وهنا يظهر الدور المحورى للفسيولوجى الرياضى،

الفسيولوجيا الذى درسناه فى كلية الطب، هو علم عام، يتعامل مع كل الأنشطة الإنسانية، سواء رياضة أو غيرها، لكنه فى كرة القدم أصبح عنصرًا حاسمًا فى إعداد اللاعب، لأن المباراة الحديثة تختلف تمامًا عما كانت عليه أيام بوشكاش وبيليه وعبده نصحى، مع احترامى لمواهبهم الفذة، فالخطط قد تغيرت، واللاعب اليوم يقطع فى المباراة الواحدة ما بين عشرة واثنى عشر كيلومترًا، ويؤدى عشرات الانطلاقات السريعة والتوقفات المفاجئة وتغييرات الاتجاه، وهو ما يفرض ضغوطًا هائلة على القلب والرئتين والعضلات والجهاز العصبى، ولهذا يبدأ عمل الفسيولوجى قبل انطلاق الموسم بوقت طويل،

حيث يخضع كل لاعب لاختبارات دقيقة لقياس كفاءة القلب والرئتين، والحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين، والقدرة على التحمل، والقوة العضلية، وسرعة الاستشفاء بعد المجهود، ومن خلال هذه النتائج يضع برنامجًا تدريبيًا يناسب كل لاعب على حدة، لأن احتياجات لاعب الوسط تختلف عن احتياجات قلب الدفاع أو المهاجم، ولا يتوقف دور الفسيولوجى الرياضى عند التدريب، بل يراقب استجابة الجسم يومًا بعد يوم، فمن خلال أجهزة قياس نبض القلب، وأجهزة تتبع الحركة (GPS)،

وبيانات السرعة والمسافات المقطوعة، يستطيع معرفة ما إذا كان اللاعب يتطور أو يقترب من مرحلة الإرهاق، وإذا أظهرت المؤشرات أن الحمل البدنى أصبح مرتفعًا أكثر من اللازم، يوصى بتخفيف التدريب أو زيادة فترات الراحة قبل أن يتحول الإرهاق إلى إصابة، كما يعمل الفسيولوجى جنبًا إلى جنب مع اختصاصى التغذية، فيحدد احتياجات اللاعب من الكربوهيدرات والبروتين والسوائل والأملاح قبل المباراة وبعدها، لأن التغذية أصبحت جزءًا من الأداء نفسه، فاللاعب الذى يستعيد مخزون الطاقة بسرعة يستطيع الحفاظ على مستواه حتى الدقائق الأخيرة، بينما قد يفقد آخر تركيزه وسرعته بسبب نقص الوقود الذى تحتاجه العضلات، ولو عدنا للمنتخب المصرى بالذات، سنجد أن هذا العلم هو الذى أجاب عن أسئلة مثل، هل سيعود محمد صلاح بعد إصابة العضلة الخلفية؟، وهل إصابته مثل فتوح؟، وهل محمد عبد المنعم عندما تعرض لقطع فى الرباط الصليبى، هل بعد تعافيه، يكون هدفى مجرد التئام الأنسجة، أم استعادة الكفاءة الفسيولوجية الكاملة للجسم؟،

هنا يأتى دور اختبارات القوة والسرعة والتوازن والقدرة على تغيير الاتجاه والتحمل، ولا يسمح للاعب بالعودة إلى المباريات إلا إذا أثبتت الأرقام أن جسمه أصبح قادرًا على تحمل ضغوط المنافسة بأمان، مما يقلل كثيرًا من احتمال تكرار الإصابة، لم يعد هناك مكان للانطباعات الشخصية ولكن للقياسات العلمية.

فلم يعد المدرب يعتمد على انطباع، أو عبارة «اللاعب تعبان أو الظاهر إنه كويس»، بل صار يمتلك بيانات دقيقة تخبره بمعدل نبض القلب، وسرعة الاستشفاء، وحجم المجهود المبذول، وخطر الإصابة قبل حدوثها، وهكذا أصبحت القرارات المتعلقة بالتدريب والمشاركة فى المباريات تستند إلى العلم أكثر مما تستند إلى الحدس، الفسيولوجى لم يعد مجرد عضو فى الجهاز الطبى، بل أصبح أحد الأعمدة الأساسية فى منظومة كرة القدم الحديثة. فهو يحول الجسم البشرى إلى مصدر للمعلومات، ويقرأ لغة القلب والعضلات والرئتين كما يقرأ محلل البيانات لغة الأرقام.

ومن خلال هذا التكامل بين الفسيولوجيا والطب الرياضى والتغذية والتكنولوجيا، أصبح اللاعب المعاصر أكثر قدرة على الأداء، وأكثر مقاومة للإصابات، وأكثر استعدادًا للحفاظ على أعلى مستوى ممكن طوال موسم مزدحم بالمباريات، وهكذا لم تعد البطولات تُحسم بالمهارة وحدها، بل أصبحت تُحسم أيضًا بمدى قدرة العلم على استخراج أفضل ما فى الجسد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المونديال والفسيولوجى المونديال والفسيولوجى



GMT 23:59 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

بلاد كولومبوس... التهافت على هوليوود

GMT 23:57 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

لماذا هاج الحوثي الآن؟

GMT 23:56 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

«ألا يخجلون من قاسم وصدام والعارفيْن؟»

GMT 23:55 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

رجل الشرق المجنون

GMT 23:54 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

العقيدة السياسية ليست فوق الأفراد

GMT 23:53 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

«الفراعنة» و«أسود الأطلس» في قلوب العرب

GMT 23:41 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

الشيخ شمارق

الفستان الأحمر نجم إطلالات النجمات الصيفية

بيروت - صوت الإمارات
لا يفقد الفستان الأحمر مكانته الرفيعة مهما تغيرت وتبدلت صيحات الموضة العالمية، فهو من التصاميم الأيقونية التي تجمع بسحر خاص بين الجرأة والأناقة، ويمكن تنسيقه بطرق مبتكرة تناسب مختلف الأذواق والمناسبات الصيفية. وسواء كنتِ تبحثين عن إطلالة كلاسيكية لحفل رسمي فاخر، أو فستان ناعم لحفل زفاف نهاري، أو تصميم لافت لسهرة مسائية مميزة، ستجدين أن اللون الأحمر يقدّم خيارات متنوعة وقصات وتفاصيل غنية تلائم كل امرأة تبحث عن التميز. وقد برز هذا اللون الساحر بقوة هذا الموسم في إطلالات عدد من النجمات العربيات، حيث قدمت كل واحدة منهن رؤية فنية وموضة مختلفة تماماً لهذا اللون؛ من الفساتين الطويلة ذات الطابع الملكي الراقي، إلى التصاميم القصيرة الشبابية الحيوية، مروراً بالقصات العصرية المبتكرة التي تجمع بذكاء بين البساطة والفخامة، مما يمنحك...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 19:32 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 04:34 2022 الخميس ,06 تشرين الأول / أكتوبر

غولف الإمارات يدشن مشواره في البطولة العربية

GMT 00:59 2017 الإثنين ,27 شباط / فبراير

طرق التغلب الفعالة على مشاكل عناد الأطفال

GMT 01:26 2018 السبت ,20 تشرين الأول / أكتوبر

فولفو ونفيديا يتعاونان لتطوير سيارات ذاتية القيادة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates