«اتفاقية مكة» نضج استراتيجي إقليمي

«اتفاقية مكة»... نضج استراتيجي إقليمي

«اتفاقية مكة»... نضج استراتيجي إقليمي

 صوت الإمارات -

«اتفاقية مكة» نضج استراتيجي إقليمي

بقلم : يوسف الديني

في ذروة أزمةِ نشر صواريخ «بيرشينغ 2» الأميركية في أوروبا عام 1984، عبَّر مسؤولون أوروبيون للأمين العام لحلف «الناتو» بيتر كارينغتون عن سخطهم من اندفاع واشنطن، وتجاهلها نصائح حلفائها في قرارات تمس أمنهم بشكل مباشر، ما كان منه إلا أن أصغى لتذمرهم ليرد بعبارة تاريخية في عالم العلاقات الدولية: «للأسف، هؤلاء الأميركيون الوحيدون الذين لدينا، ولا نملك غيرهم!». الجملة تختزل كثيراً من الحبر المسال حول الواقعية في التحالفات في أزمنة التحولات، وقد كانت العبارة في سياق الحرب الباردة، ومن هنا، يذهب كثيرون إلى أنَّه من الصعب الاستغناء عن حليف بحجم الولايات المتحدة، خصوصاً إذا كان التهديد مشتركاً حتى مع مصالحه، لكن السؤال الذي يواجه منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج أكثر تعقيداً لأنَّه حول: إنقاذ تحالف لا غنى عنه في ظروف متقلبة وسياسات منفردة قد تكون مصدراً إضافياً للمخاطر.

غني عن القول أنه منذ لقاء الملك عبد العزيز والرئيس فرانكلين روزفلت عام 1945، تشكلت الشراكة السعودية – الأميركية حول مصالح استراتيجية متبادلة شديدة الوضوح، ثم تعزز الحضور الأمني الأميركي في الخليج بعد إعلان «مبدأ كارتر» عام 1980، وبلغ ذروته في تحرير الكويت عام 1991 كقصة تحالف ناجحة وناجعة أنقذت المنطقة من تصدعات كبرى، ومع ذلك لم تكن السياسة السعودية يوماً ما محكومة بتحالف بعينه مهما كانت قيمة الحليف، حيث حافظت المملكة على استقلال قرارها، ونوّعت في علاقاتها، وتحركت وفق مصالحها الوطنية ومقتضيات الاستقرار الإقليمي، وتبدى ذلك في منعطفات تاريخية كثيرة.

الصيغة التقليدية للتحالف مع الولايات المتحدة تعرضت خلال العقود الأخيرة لاختبارات متتابعة؛ من غزو العراق عام 2003، وما أحدثه من فراغ استراتيجي استفادت منه إيران، وصولاً إلى حرب غزة، ثم الحرب الإيرانية عام 2026، حيث لم تعد المسألة متصلة بحادثة منفردة، بل بتراكم كشف اتساع المسافة بين حسابات واشنطن وعلاقتها مع إسرائيل ومصالح شركائها الإقليميين.

أظهرت الحرب الإيرانية هذا الخلل بشكل واضح؛ فقد تحملت دول الخليج النتائج الأمنية والاقتصادية لصراع لم تكن طرفاً فيه، ولم تختره أو تشارك فيه، في حين أن مدنها ومنشآتها وممراتها البحرية بقيت ضمن المدى المباشر للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، التي قررت، بصلف، إيذاء الجيران الدائمين، في محاولة الضغط على أميركا، ورفع التكلفة، وتحويلها من حرب مباشرة إلى حرب اقتصادية.

هل هذا يعني التفكير في الحد من الشراكة مع دولة بحجم الولايات المتحدة أو التقليل من أهميتها؟ بالطبع لا، فالعلاقات الدفاعية والاستخباراتية والتقنية الممتدة لعقود ظلت وستبقى إرثاً ورصيداً استراتيجياً للبلدين، كما ألف باء الصناعة الدفاعية تؤكد تفرد واشنطن بمسافة كقوة مركزية في منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر والتقنيات العسكرية المتقدمة، إلا أن ذلك لا يبرر بقاء الشكل التقليدي للتحالف؛ لأنَّ السعودية اليوم ليست الدولة نفسها قبل عقود، بل أصبحت قوة سياسية واقتصادية صاعدة، تمتلك مشروعاً وطنياً طموحاً، وقدرة متنامية على التأثير في أسواق الطاقة والاستثمار والتقنية وصياغة التوازنات الإقليمية.

من هنا، تبرز فكرة «إنقاذ التحالفات» ليس من خلال التمسك بالصيغ القديمة، وإنما بإعادة تأسيسها على مقاربة أكثر حيوية قائمة على الندية وأولوية السيادة والمصلحة، ومن خلال تشاور حقيقي قبل أي قرارات كبرى بهدف واضح واستراتيجيات مدروسة لتبادل المنافع والقدرات، وتوزيع عادل للمخاطر.

ضمن هذا التحول، يمكن أن نقرأ الأهمية التاريخية لـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان حيث لم تكن ردة فعل عجِلة على تداعيات الحرب الإيرانية، ولا بديلاً عن العلاقات الصلبة والقوية مع واشنطن، وإنما كانت تعبيراً عن نضج استراتيجي إقليمي تقوده السعودية التي أدركت منذ سنوات طويلة أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يبقى مرهوناً بحسابات القوى الخارجية؛ ولذلك كانت الركيزة الأساسية لـ«اتفاقية مكة» والتي لم تُقرأ بشكل صحيح هي هذا المزيج المتكامل من الثقل السياسي والاقتصادي للسعودية، مع الخبرات الصناعية والعسكرية والقدرات الاستراتيجية لكل من تركيا وباكستان، لتأسيس معادلة ردع تجعل من الاعتداء على أي طرف يحسب له ألف حساب بعيداً عن التفاصيل الأخرى التي تقتضيها سياسات كل دولة وحساباتها الاستراتيجية.

في نظري، القيمة الكبرى للاتفاقية تكمن في تحويل هذا المزيج إلى شكل مؤسسات ومشروعات ذات طابع عملي تهدف إلى التنسيق المشترك للقيادة والتكامل في قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، فضلاً عن المناورات المشتركة، والأهم توطين الصناعات العسكرية، والتعاون الاستخباراتي، وحماية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد.

الأكيد أن النظام الإقليمي المقبل لن يقوم باستبدال تحالف دولي بآخر، ولا على المفاضلة بين واشنطن وبكين أو غير ذلك، مما يتم ترديده بكثير من التسطيح لمفهوم التحالف المعقد، بل الأرجح أن شبكة شراكات مرنة تقودها دول المنطقة الكبرى ستتشكل، وتتعاون من خلالها مع القوى العالمية للتعاون الأمني، وستمثل «اتفاقية مكة» نواة لذلك، لا سيما إن استطاعت أن تستقطب إليها دولاً وازنة.

لقد أثبتت الحرب الإيرانية أن إنقاذ التحالفات لا يكون باستعادة صيغها التقليدية، بل بإعادة بنائها وفق تحولات موازين القوة. وفي عالم تتراجع فيه اليقينيات، تبدو السعودية اليوم أكثر دول المنطقة فهماً للتحول، واستعداداً للقادم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«اتفاقية مكة» نضج استراتيجي إقليمي «اتفاقية مكة» نضج استراتيجي إقليمي



GMT 20:18 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أول عسكري وآخر مدني... فرصة لرد الجميل

GMT 20:16 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

لا يخفى شيءٌ في الكرَك!

GMT 20:15 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

من يحاصر تعز لا ينصر غزة!

GMT 20:14 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

العراق بين الاكتفاء الذاتي وأزمة إمدادات البنزين

GMT 20:13 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

امتحان لا مهرب منه

GMT 20:12 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الشرق الأوسط بين انتخابين

GMT 20:11 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الجائزة التي ينتظرها (خروج آمن)

GMT 19:57 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أبعاد حادث الكرك

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة - صوت الإمارات
تزامناً مع ختام شهر أكتوبر/تشرين الأول، شهر التوعية بسرطان الثدي الذي يكتسب فيه اللون الوردي دلالة إنسانية ورمزية خاصة، حضرت تدرّجات الوردي بقوة على السجادات الحمراء العالمية والعربية باختيارات استثنائية راوحت بين النعومة والجرأة، لتستعرض النجمات أحدث صيحات الموضة التي تجمع بين الرقي ودعم الرسائل الإنسانية. وتألقت العارضة وأيقونة الموضة العالمية هايلي بيبر في حفل متحف الأكاديمية (Academy Museum Gala) بفستان مُصمْم لها خصيصاً باللون الوردي الفاتح من توقيع دار "شانيل" (Chanel) تحت إدارة ماتيو بلازي؛ حيث تميز التصميم بقصّة العمود المنسدلة وفتحة ظهر منخفضة، إلى جانب تطريز دقيق حول الياقة المرتفعة بستايل الهالتر بخرز متلألئ وسلاسل ناعمة ولمسات ذهبية، لتؤكد أن الوردي هو الخيار الأرقى في ختام الشهر الوردي. ومن جانبها، خطفت النجمة اÙ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 13:17 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك ظروف جيدة خلال هذا الشهر

GMT 16:21 2018 الخميس ,22 آذار/ مارس

"الرفوف " لمسة من العملية والجمال في منزلك

GMT 03:32 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

آفاق رحبة لنمو الاستثمار الأجنبي في الإمارات

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 12:57 2019 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

"غوغل" تشتري "فيتبيت" للساعات الذكية بـ 2.1 مليار دولار
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates