النظام العالمي والفرصة الأخيرة

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

 صوت الإمارات -

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

بقلم : يوسف الديني

تغيَّر العالمُ خلال السنوات الماضيةِ بوتيرةٍ قد تفوق، دون مبالغة، العقود الثلاثة التي سبقتها، فالحروب ذاتُ الطابعِ المستدام؛ من غزةَ ولبنانَ إلى أوكرانيا إلى غرب أفريقيا، وتغول الإرهاب ضد الدول الهشة، وليس آخراً الحرب الإيرانية، كلها يعني تآكلَ النّظام الدوليّ القائمِ على القواعد التي نشأت بعد الحربِ العالمية الثانية.

ترابط النظام العالمي بالاقتصاد الدولي كانَ قوامُه التجارةَ وتدفقَ الطاقة وصعودَ التكنولوجيا تحولت إلى تحديات تتَّصل بالحفاظ على الاستقرار، بعد انتهاء عصر الحرب الباردة الذي كان يفترض أنَّ الازدهارَ شرطُه رأسماليةُ السوق والتنافس الذي سيحوّل العالمَ إلى نمط واحد.

منذ سقوط جدار برلين وبدء ما عرف بأحادية القطب بقيادة الولايات المتحدة، اعتقد خبراء السياسة أنها لحظة تقترب من نهاية التاريخ، لكن هجمات الحادي عشر من ستمبر (أيلول) 2001، وحرب العراق ثم أفغانستان والأزمة العالمية في 2008، والتي تلاها صعود الصين ثم حرب روسيا وأوكرانيا، كشفت عن أنَّها كانت لحظة البداية لخلل كبير في النظام الدولي، بسبب عدم التزام القواعد من قبل القوى الكبرى التي أسهمت في إنشائه وتكريسه والدعوة لاحترامه قبل أن تنكفئ عليه.

عالم اليوم ينتقل بشكل سريع من تعددية المصالح المشتركة، تحت مظلة النظام العالمي، إلى تعددية قطبية حادة تحكمها الصفقاتُ والمصالحُ الذاتية والتنافسُ بين القوى الكبرى، مع صعودٍ لقوى متوسطة فاعلة من شأنها ترجيح كفةِ اتجاه النظام العالم عبر تعاونها وتحالفاتها.

وإذا كانت الثلاثية التي سادت سابقاً في النظر إلى العالم قد تلاشت، فإنَّها تعود لكن بأشكال جديدة وثقل مختلف، فلم يعد الغرب العالمي الذي يضم الولايات المتحدة وأوروبا، قادراً على كبح جماح وصعود الشرق العالمي الذي تقوده الصين وروسيا ومن ورائهما الدول المتحالفة معهما، في حين أن بقية دول العالم الذي يوصم بشكل اختزالي ومتحيّز بالجنوب العالمي ومن الشرق الأوسط، أصبح اليوم رمانة الميزان، لأنه يحتوي على أكبر احتياطيات وموارد بالعالم، إضافة إلى عدد السكان، والأهم القوى الصاعدة التي ستسهم في تشكيل ملامح النظام المقبل.

لا يستطيع الغرب العالمي اليوم أن يكسبَ بقية العالم بشعارات الديمقراطية والحريات، وما إليها التي تتعرض في أعرق الدول التي تمثلها إلى مساءلات نقدية جادة، وهي أيضاً لا تستطيع احتواء تعاظم القوى الصاعدة التي تسعى إلى تنويع شراكاتها وحماية مصالحها والترقي بهدوء في التأثير على صنع القرار العالمي.

المعضلة الحقيقية هي في غياب المؤسسات الدولية وتآكلها؛ إذ لم تتغير ولم تتطور بالقدر الذي يسهم في إدارة موازين القوة؛ مجلس الأمن لا يزال مشلولاً بحق النقض، ومنظمة التجارة الدولية هشة، وصندوق النقد والبنك الدولي يتعرضان لكثير من النقد، عطفاً على الأوزان السياسية في مقابل الدعم الاقتصادي والتمويل، ومن هنا فإنَّ بقية العالم خارج العالمين الغربي والشرقي أصبح رهينَ تحالفات متغيرة، وانكفاء على الذات، وتدعيم الاستقرار من خلال الانفاق الدفاعي ومشاريع تنمية الداخل والاستثمار.

فرصة العالم الغربي اليوم خصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا، في إعادة تقييم دوره بشكل واقعي ومتوازن، مع التركيز على حقائق أولية: سيادة الدول وسلامة أراضيها، وسيادة القانون والاعتراف بتنوع الثقافات والأنماط السياسية والالتزام بالمصالح المشتركة.

دون هذه الواقعية فإنَّ العالم سيظل مرهوناً بالفوضى وحالة اللايقين التي لا يمكن التعايش معها، حتى في ظل تحول مفهوم الحروب اليوم، لا سيما مع ما يمكن تسميته «تأثير القوى الفاشلة»، سواء كانت دولاً أو ميليشيات، حيث تسهم بشكل كبير في تقويض الأمن بتكلفة رخيصة، وقدرة على البقاء من خلال اقتصاد موازٍ، وفي ظل عدم رغبة القوى الكبرى، أو حتى المؤسسات الدولية في حمل عبء التصادم معها.

الحروبُ العالقة والقضايا المصيرية في منطقة الشرق الأوسط هي من ستعيد شكلَ العالم الجديد في العشر سنوات المقبلة، ومن خلال المساهمة في توازن العلاقة بين القوى الكبرى المتصارعة لبناء نظام دولي جديد مبني على الشراكات والمصالح والتنافس العادل، على نحو يشبه ما رأيناه بالأمس من قدرة التنافس في لعبة كرة القدم وكأس العالم على تجاوز التحيّزات ومحاولات المحاباة والتدخل.

في مقال فريد في هذا الجانب عنوانه «قصر الأحلام الغربي» لوزير خارجية سنغافورة الأسبق والعالم السياسي الشهير كيشور محبوباني، شبَّه العالمَ القديم بقصرٍ يسكنُه الغربيون وهم لا يزالون يحاولون التمسكَ بامتيازاته (القيم والمبادئ الدولية) مع إهمال الشقوقِ في الجدران والخرائب خارجَ القصر؛ حيث العالمُ تغير إلى الأبد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النظام العالمي والفرصة الأخيرة النظام العالمي والفرصة الأخيرة



GMT 00:53 2026 الخميس ,29 تشرين الأول / أكتوبر

الشيخ الأردني: أنا من ربْع عيسى يا ولدي

GMT 00:51 2026 الخميس ,29 تشرين الأول / أكتوبر

من يستعيد الإسلام من مختطفيه؟

GMT 00:50 2026 الخميس ,29 تشرين الأول / أكتوبر

ريال مدريد وبرشلونة.. الموسم بدأ من هنا

GMT 00:49 2026 الخميس ,29 تشرين الأول / أكتوبر

من تيريز هلسا إلى طريقة في استنكار الجرائم الطائفيّة

GMT 00:48 2026 الخميس ,29 تشرين الأول / أكتوبر

التركيز الاستراتيجي لتسجيل الأهداف

GMT 00:47 2026 الخميس ,29 تشرين الأول / أكتوبر

نتنياهو خاسر رابح... وربما العكس!

GMT 00:44 2026 الخميس ,29 تشرين الأول / أكتوبر

المسيحيون العرب... شراكة حضارة ومصير

GMT 20:18 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أول عسكري وآخر مدني... فرصة لرد الجميل

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 22:41 2026 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

عيد القوات الجوية !

GMT 20:41 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 12:25 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول

GMT 23:07 2026 الجمعة ,08 أيار / مايو

شاكيرا تطرح أغنية كأس العالم 2026 في 14 مايو

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز

GMT 15:54 2018 السبت ,13 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة بريطانية تُدين امرأة مارَست الجنس مع طفل صغير

GMT 00:29 2018 الإثنين ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

فاطمة مصطفى تُعرب عن سعادتها بجائزة أفضل إذاعية لعام 2018
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates