صورة فتاة في الرابعة عشرة

صورة فتاة في الرابعة عشرة

صورة فتاة في الرابعة عشرة

 صوت الإمارات -

صورة فتاة في الرابعة عشرة

بقلم - جميل مطر

إحداهن وقد تجاوزت السبعين أخرجت حقيبة قديمة وفتحتها لتتسلى بمحتوياتها. علقت على ما فعلت بقولها إنها مثل كل من هو فى عمرها لم يعد يسليها مشاهدة التلفزيون وبالتأكيد لن يشبعها إن هى فعلت. أضافت قائلة «من التلفزيون ومعه تعلمنا الكثير. أرانا كبرنا ونضجنا، وأراه كبر ولم ينضج. تغير كما تغيرنا. كنا فى بيوتنا ونحن صغار نستمع للكبار ونتعلم منهم، أما الآن فصغارنا يتعلمون من بعضهم البعض، بل وكثيرا الذى نتعلمه نحن كبار السن منهم».
أخرجت من الحقيبة صورا. تسحبها واحدة بعد الأخرى، كل منها تروى لها حكاية أو أكثر. استعادت بها سنوات من الماضى فى ساعة أو أطول. لم تمل، فمن الصور ما جلب حزنا خفيفا ومنها ما رسم على شفتيها بسمة جميلة، وكثيرة هى الصور التى خلفت لوعة وشوقا أو تركت علامات دهشة وانبهار. لاحظت أن غالبية الصور جنس النساء مع أطفالهن أو فى جماعات. قليلة كانت الصور لسيدات مع أزواجهن. تذكرت أنها كانت صغيرة عندما جلست مع والدها يتصفحان ألبوما للصور تصدرت صفحاته صورة لسيدة متينة القوام قوية الملامح نفاذة النظرة تقف ممسكة ببندقية قديمة الطراز. سألت أبيها عنها فأجاب فى فخر وبصوت يفرض على الصغيرة الاحترام ويضيف لصاحبة الصورة هيبة وربما رهبة. خلا الصوت من مشاعر الحب وهو يقول بالهمس «إنها صورة أمى». عادت صاحبتنا تركز على الصور باحثة فى الحقيبة عن هذه الصورة حتى وجدتها. أمسكت بها وراحت تتأمل فى الوجه الذى أثار فيها وهى صغيرة أحاسيس شتى. تساءلت بينها وبين نفسها إن كانت صاحبة الصورة فى حقيقتها وعلى طبيعتها مؤهلة للحب أو حتى قادرة على احتضان صغارها. انتهت من هذه الصورة فألقت بها فى الحقيبة. عادت أصابعها تقلب الصور وتلتقط ما لمسته بالصدفة.
●●●
خرجت الأصابع بمجموعة صور لم تحظ بالاهتمام إلا واحدة. كانت لفتاة لا يزيد عمرها على الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، أو هكذا أفصح قوامها ودلت عليه ابتسامتها المترددة. الشىء الذى يلفت النظر إلى الصورة ويكسبها اهتماما فوريا هو هذا الجمال الهادئ والوجه الصبوح. صاحبتنا الباحثة فى أوراق وصور الماضى عن مصدر للتسلية وقضاء الوقت توقفت أمام الصورة طويلا تحاول أن تجد فى ذاكرتها ما ينبئ عن هويتها. فشلت محاولاتها وتأكدت أن الصورة انضمت إلى محتويات الحقيبة فى مرحلة تالية للمرحلة التى كانت تستعين فيها بالوالد أو بغيره للتعرف على هويات أصحاب الصور. استبد بها فضولها فالوجه الذى أطل عليها من الصور أبى ألا أن يسيطر على اهتمامها ووقتها بجمال مكوناته وقوة جاذبيتها. شعرت أن صاحبة هذا الوجه لا بد وأن تمت لها بصلة قرابة أو جيرة. هناك فى هذا الوجه ما ينادى متوسلا الاعتراف به طرفا أصيلا فى سردياتنا العائلية. يكاد الوجه ينطق مطالبا كل فرد فى هذه العائلة التى امتدت شرقا وغربا بأن يأتى بمرآته وينظر فيها ليجد تفصيلا أو آخرا منقولا عن نظيره فى هذه الصورة.
صاحبتنا لم تنتظر طويلا. استيقظنا ذات صباح لنجد الصورة على شاشات هواتفنا المحمولة وتحتها رسالة تحمل الأمل أن نساعد فى حل هذا اللغز والإجابة عن السؤال «لمن تكون هذه الصورة؟». هكذا صار انشغال فرد انشغالا عائليا. بعضنا نحى جانبا مشاغله ليهتم وبخاصة عندما ظهر من يجد فى العينين أو الشفتين أو فى البسمة المترددة أو فى الشعر حالك السواد شبها بنفسه أو بمن أنجب. تشاورنا ولم يطل تشاورنا. توصلنا فى نهاية التشاور وتبادل المعلومات والذكريات إلى هوية صاحبة الصورة. عند هذه اللحظة تبارى أفراد العائلة فى إثراء الاهتمام فألقوا بذكرياتهم.
●●●
قالت واحدة، كيف لا أذكرها وهى نفسها ولكن بعد مرور سنوات كثيرة على يوم التقاط هذه الصورة كانت تعقد جلسات موسمية لشقيقاتها وحفيدات العائلة الممتدة وجارات لها يقمن أثناءها بتفصيل ملابسنا، نحن الأطفال، لمناسبات العيد والانتقال للمصيف وللأعراس. كانت هذه الجلسات فى حد ذاتها مقدمات بهيجة لأيام نقضيها عندها فى مرح وفرح وأطايب الأكلات. قالت أخرى، أذكرها مصدرا دائما للقرارات التى تتطلب حكمة واتزان وتوازن. كنت حاضرة بزعم انشغالى بدروسى أتنصت على اجتماع فى الغرفة المجاورة انتهى بعقد الصلح ومنع حادث طلاق فى العائلة وعادت الزغاريد تملأ أجواء البيت الكبير. قالت ثالثة. نعم أذكر جمالها وهى ترفل فى البيت ولا غريب بيننا فى قميص نوم من قماش «رمش العين» أو آخر من الساتان أو الحرير الطبيعى. كانت إذا خرجت، ونحن معها، لزيارة جدتنا الكبرى، ارتدت السواد والبالطو الأسود واحتفظت بشعرها طليقا حرا.
رابعة بلغت من العمر أخيرا ما يناهز الثمانين قالت نقلا عن أمها، إنها سمعت منها أن أباها وكان تاجرا كبيرا حرص دائما على أن تكون هذه الابنة صاحبة الصورة فى استقباله كل ليلة عند عودته من وكالته. كانت تراجعه عند وصوله إلى حارتهم لتتأكد من أنه أغلق باب الحارة قبل دخوله إلى البيت وأحسن ربط حماره، ولتتسلم منه كيس العملة الذهبية حصيلة أعماله التجارية عن اليوم. كانت هى المكلفة بأن تحصى الجنيهات الذهبية بينما تكرر أمها لأبيها نصيحتها أن يتعامل مع زبائنه وشركائه بالعملة الورقية لأنها حسب رأيها أثمن و«أقيم» من الذهب.
قالت حفيدة إنها سمعت منها أكثر من مرة قصة عرسها وهى فى الوقت نفسه قصة عرس ابنة عمها والعريسان شقيقان. تزينت حارة الوراق بأحلى زينة لأيام ثلاثة، وتبادلت العزف خلالها فرق موسيقية عدة ورقصت زينة عوالم محمد على حتى الفجر وانهالت الهدايا من كبار التجار ورجال الحكومة. كانت فى الرابعة عشرة من عمرها وأنجبت ابنة وهى فى الخامسة عشرة. وكانت فى الثانية والثلاثين عندما عقدت قران ابنتها الطالبة بالمدرسة السنية على أستاذ الجامعة العائد لتوه من إنجلترا والأصغر منها، أقصد من حماته، بثلاثة أعوام. تذكر الحفيدة التى سمعت القصة من جدتها أنها لم تذق منذ رحيلها طعاما فى جودة ما كانت تطبخ. بحنين واضح راحت تضرب المثل بصحن محشى الباذنجان الأبيض المقلى بعد إنضاجه فى السمن البلدى وبالبط المحشو بالمكسرات والزبيب وبالأرز «الملدن» ذى الرائحة الفريدة. كانت تطبخ على صوت الموسيقى الصادر من الراديو.
تقول البنات وقد صرن جدات إن المطبخ فى أيامها كان مكانا للفرح والزهو والعمل الجماعى. كلهن يذكرن المناسبات التى كن يسهرن عندها ومعها حتى قرب الفجر يشاركن فى تحويل الزبد الجاموسى إلى سمن بلدى وتعبئتها فى صفائح تمهيدا لتخزينها فى صندرة البيت. كانت أجولة الأرز تأتى الجارة من أرياف شمال الدلتا تتقاسمانها وتشرفان على تنقيته من الحصى وتخزينه إلى جانب السمنة والعسل والمربات والمخللات وغيرها من الضرورات.
●●●
نعم. الفتاة الجميلة فى الصورة صارت أمى. عاشت تدعو لى بعد كل صلاة أن يرزقنى بالزوجة المطيعة والذرية الصالحة واستجاب الرب. رحلت قبل أن ترى أيا منهم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صورة فتاة في الرابعة عشرة صورة فتاة في الرابعة عشرة



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates