بقلم: فاطمة ناعوت
حين نبحثُ فى سرِّ الحضارة، نذهب فورًا إلى ما خلّفه الإنسانُ من خوالد الأثر: حجرٍ مُعشّقٍ فى حجر، معبدٍ مُمتشق على أعمدة تشقُّ عنان السماء، خزائنَ عامرةٍ بالمخطوطات، جدارياتٍ تحكى وحفائرَ تتكلم، وتماثيلَ استعصت على الزمان أن يناوئها. لكن هذه الآثار الفخمة ليست إلا الجسدَ المرئىّ للحضارة. أما روحُها فتتخفّى فى خبيئة أخرى. خبيئة لا تُرى، لكنها العمود الراسخ الذى إن تهاوى، سقط الحجرُ وتداعى الأثر. إنه «القانون». فكيف تَخلُد حضارةٌ لو لم يدرك ساكنوها أن للآخر حقًا يساوى حقهم؟ ما الذى يبقى من دولة، لو كان بوسع الأقوى أن يظلم الضعيف ويغتصب ما ليس له؟ تلك هى فوضى الغابة التى استبدلت بها الحضاراتُ: الحقَّ والعدلَ، فنشأ الجمالُ واستقامت الحضارة على عودها. القانون هو صخرةُ الحضارات الذى يجعل الغرباء يعيشون معًا، دون أن يتحول الاختلافُ إلى معركة، والنوازعُ إلى اغتصاب، والقوةُ إلى بطش.
من العسير أن تفكر فى الحضارة بعيدًا عن القانون. فالحضارة ليست أن يعرف المهندسون كيف يصممون المساقط ويشيدون العمارة، بل أن يسكنَ المرءُ دون أن يهدم بيت جاره. الحضارةُ ليست أن يخترع الإنسانُ السلاح ليحمى نفسه، بل ألا يبطش به إن تمكّن. القانون هو مساحة مثلث شريف من أسماء الله الحُسنى: الحقّ- العدل- الحَكَم. الحقُّ غايةُ القانون، و
العدلُ ميزانُه، والحُكم يدهُ الفاعلة وسلطانه. إذا سقط ضلعٌ من هذا الثالوث النبيل، انهدمت المعادلة، وصار القانون نصًّا بلا روح، أو سلطة بلا عدل، أو عقوبة دون حق.
وكانت حضارتُنا المصرية من أعمق الحضارات القديمة إدراكًا لهذا. «ماعت» لم تكن ربّة الضمير والعدالة وحسب، بل كانت رمزًا للحق والأخلاق واتزان النظام الكونى. لهذا زيّنت هامتَها ريشةُ «نعامة»؛ حيث «رمزية التناظر». إذ يتماثلُ عددُ الشعيرات على جانبى القصبة المركزية لريشة النعامة، فأضحتْ رمزًا للنظام الكونى والتوازن بين الخير والشر، والحق والباطل، العدل والظلم. ولم يكن غريبًا أن تنشأ على ضفاف النيل واحدة من أعظم التجارب الإنسانية فى تحويل الأخلاق إلى قواعدَ وقوانينَ تنظم المجتمع. فقد أدرك المصرى القديم مبكرًا أن المجتمع لا يستقيم بالقوة بل بالعدل. فابتكر «قانون ماعت»، قانون الضمير والأخلاق بالغ الرقى، ليجعل الإنسان مسؤولًا عن علاقته بالنبات والحيوان والنهر، وبالمستضعفين من البشر: اليتيم، والكسيح، والمشلول، والأعمى. وكانت اعترافات المتوفى أمام محكمة العالم الآخر تصوّرًا لمحاسبة الإنسان يوم الفصل.
فى 1965 عُقد مؤتمرُ «السلام عبرَ القانون» واختير يوم 13 سبتمبر من كل عام ليكون «اليوم العالمى للقانون»، لتكريس فكرة أن يحل القانونُ محلَّ السلاح، والمحكمةُ محلَّ ساحة القتال، والعدلُ محلَّ غريزة التجبر والاستقواء.
وشهدنا قبل أيام الدورة السادسة من الاحتفال السنوى بيوم القانون الذى تنظمه «المؤسسة العربية للسلام والتنمية» برئاسة المستشار الجليل «كمال خليفة عبد الرحمن»، بالتعاون مع «المركز الأممى للقانون» و«مركز كميت للتحكيم الدولى»، بحضور نخبة من رجالات القانون والشخصيات العامة، بينهم الفرائد: «إبراهيم محلب»، و«عمرو موسى»، و«على عبد العال»، و«محمد العرابى»، وعدد من القضاة ورؤساء المحاكم والنيابات من مصر والعالم العربى، بالإضافة إلى الفنان «خالد الصاوى» خريج كلية الحقوق، الذى نشأ فى بيتٍ عريقٍ فى القانون؛ فأبوه وجدّه من رموز القضاء. وغاب عن الحفل هذا العام المستشار «أحمد الزند» لمرضه، لكنه كان حاضرًا على شاشات القاعة وفى كلمات المكرمين من رعيل حملة لواء القانون والقضاء. شكرًا لصناع هذا اللقاء السنوى الذى يجتمع فيه أهل القانون، وتُستعاد سِيَرُ الرواد، ويُكرَّم أصحابُ العطاء، فالوفاءُ برد الجميل رافدٌ من روافد الحق. فى هذا اللقاء، نتذكر أن القانون ليس موادَّ جامدة على صفحات التشريع، ولا سيفًا مُشهرًا فوق أعناق البشر، بل هو أحد أعظم اختراعات الإنسان لتنظيم نوازعه وحمايته من نفسه ومن الآخر.
من الأحاديث القدسية التى علينا تأملُها كل نهار قوله تعالى على لسان رسولنا عليه الصلاة والسلام: «يا عبادى إنّى حرّمتُ الظلمَ على نفسى، وجعلتُه بينكم محرّمًا، فلا تظالموا». أمرٌ جلل أن يُحرّم اللهُ تعالى شيئًا على نفسه، قبل تحريمه على عباده! لهذا ففكرة «العدل» فى قاموسى ليست كلمة شريفة، وقيمة عليا فحسب، بل هى هولٌ عظيم واختبارٌ دقيق. لهذا نذرتُ له قلمى. وكم كنتُ أتوق لدخول كلية الحقوق، ولكن رغبة جدى أن أدرس الهندسة مثله، حالت دون تحقيق هذا التوق. لهذا كانت سعادتى بالغة بتكريمى فى «اليوم العالمى للقانون» ومنحى لقب «سفيرة فوق العادة» ضمن قامات رفيعة من المنشغلين بفكرة العدالة، فى مصر والوطن العربى.
مقام السؤال:
إذا حرّم اللهُ تعالى الظلمَ على نفسه، كيف يتجاسر إنسانٌ على ظلم إنسان؟!