بقلم:أمينة خيري
ما يجرى من جهود وأعمال ومخططات مدروسة ومحبوكة لعمل فتنة بين مصر والسودان، أو فلنقل بين المصريين والسودانيين، تسير على قدم وساق، وعلى أعلى مستوى من التكتيك التقنى، والتخطيط النفسى، وبالطبع الحنكة المدروسة فى التلاعب بمصائر الأوطان والشعوب. وكل ما سبق وثيق الصلة بالذكاء الاصطناعى والعصر الرقمى فى هذه السلسلة من المقالات، بل هو فى القلب من تحدى الذكاء الاصطناعى. وها هى الأحداث والأجواء وجهود الصيد فى مياه العصر الرقمى العكرة تضعنا جميعاً أمام اختبار بالغ الصعوبة.
ما يجرى على أثير السوشيال ميديا على مدار الأيام القليلة الماضية، ومنذ تواتر أنباء وأخبار مواجهة مصر للتنقيب غير المشروع فى أراضيها، وحتى بعد صدور البيان المصرى الرسمى الذى يفيد عن مواصلة الحملة الموسعة ل«مواجهة أعمال التنقيب غير المشروع عن الذهب فى الصحراء الشرقية»، والتى جاءت بعد إلقاء منشورات تحذيرية على «العناصر الإجرامية»، وذلك بغرض «فرض كامل السيادة داخل الحدود الدولية المصرية وحماية مقدرات البلاد وثرواتها القومية» وهو حق مصرى أصيل لا جدال أو نقاش فيه، وحملات ممنهجة ومنظمة ومنسقة وموجهة يمتلئ بها الأثير، وبشكل احترافى، وكأن المحتوى المؤجج للمشاعر، المحرك للفتن، المهيج للعصبيات بدون سند، اللهم إشعال الأوضاع وإحماء العداوات، وكل ذلك من خلف الشاشات، كان جاهزاً وينتظر النشر والبث.
عبارات مثل «مخططات» و«مؤامرات» وأجندات فقدت معناها لفرط الاستخدام، ولكن هذا لا يعنى إن ما تحاول جهات وأفراد ودول عمله حالياً ليس مخططات ومؤامرات وتنفيذ لأجندات. وأعلم تماماً أيضاً أن أفراداً سيخرجون علينا ليرفعوا راية «سلامة الخاطفين والمخطوفين»، والتى هى أقرب ما يكون إلى الخيال المريض، والضلالات السقيمة، والتى تنضم إلى جهود محترفى إشعال الفتنة وإحماء العداوة، والتى يبدو هذه المرة إنها ليست جهود هواة، أو أنشطة أفراد، بل ضمن تصور المنطقة فى ثوبها الجديد.
ولأن الوجه الآخر للعصر الرقمى، وزمن الخوارزميات وغرف الصدى، بالإضافة إلى قوة التضليل والفبركة ومزج الحقيقة بالكذب والتى أصبحت قوى ضاربة فى حياتنا اليومية، هو الاستفادة من التقنيات الأصلية فى العلم والمعرفة والاتصال والتواصل والبحث وغيرها، فقد أصبح الوضع شديد الالتباس عميق التداخل.
وإذا كان التعامل مع العصر الرقمى والذكاء الاصطناعى يحتاج وعياً وثقافة وحنكة وقدرة فائقة على التفكير النقدى وعدم القبول بالأشياء كما هى دون بحث واجتهاد فى الأوقات العادية، فإن كل ما سبق يتحول إلى ضرورة قصوى فى ظرف مهم وخطير تحاول فيه جهات عدة زرع ما يمكن زرعه من فتنة وكراهية، لعلها تنجز المطلوب منها من توسيع دائرة الصراع والمزيد من التحلل والتفكك فى المنطقة العربية.
كل المطلوب من المستخدمين حالياً تذكر أن مصر والسودان، والغالبية المطلقة من المصريين والسودانيين لا تجمع بينهم سوى جيرة جغرافية، وأخوة إنسانية، ومخاطر مشتركة، وتحديات متشابهة، ولا حاجة لنا الآن بمن وما يصارع الزمن ويسارع الخطوات لدق إسفين لا يخدم إلا عدواً مشتركاً.