استعادة «صوت السودان»

استعادة «صوت السودان»

استعادة «صوت السودان»

 صوت الإمارات -

استعادة «صوت السودان»

عثمان ميرغني
بقلم - عثمان ميرغني

لم يكن غريباً أن تخرج مظاهرات شعبية عفوية في أمدرمان أو بورتسودان للاحتفال باستعادة الجيش لمقر الإذاعة والتلفزيون الذي سيطرت عليه قوات الدعم السريع 11 شهراً، فأسكتت صوت السودان الذي كان ينطلق من هناك عبر إذاعة أمدرمان وشاشة التلفزيون القومي. استعادة السيطرة على هذا المعلم المهم لم تكن مجرد استعادة مساحة من بضعة آلاف من الأمتار، ومبان ومعدات وأجهزة إرسال، بل كانت نصراً ذا دلالة رمزية كبيرة للغاية لما يمثله مبنى الإذاعة والتلفزيون في وجدان السودانيين وذاكرتهم.

كل من شاهد مقطع الفيديو القصير الذي جرى تداوله على نطاق واسع بين السودانيين، أول من أمس، ويصور مبنى مكتبة أرشيف الإذاعة والتلفزيون الذي لم تصبه أضرار تذكر، أعرب عن فرحة كبيرة ممزوجة بالارتياح بسبب القلق والمخاوف على ذاكرة السودانيين المخزونة في الكم الهائل من الأشرطة المسموعة والمرئية، والتراث الهائل، في هذا الأرشيف. والحديث هنا ليس فقط عن تسجيلات الأغاني، بل أيضاً عن مختلف البرامج والمقابلات على تنوعها، والتوثيق لأحداث ومحطات مهمة في حياة البلد والناس.

معركة استعادة مقر الإذاعة والتلفزيون لم تكن سهلة بأي مقياس، بل كثيرة التعقيدات. فلو أن الجيش استخدم القصف بالطيران والمدفعية الثقيلة لكان قد اتهم بتدمير المبنى بكل ما يحتويه من أرشيف يصعب تعويضه. كذلك كان هناك كلام لم يؤكد رسمياً عن أن قوات الدعم السريع احتفظت بعدد من المعتقلين من الفنيين والعاملين وغيرهم داخل المبنى بوصفهم رهائن، ومحاولة إنقاذهم أحياء لابد أن تكون هماً وهاجساً وعاملاً يؤخذ في الحسبان في أي هجوم على المبنى لتحريره. لهذا اعتمد الجيش سياسة النفس الطويل والحصار للمنطقة تدريجياً خوفاً من خسائر لا يريدها، وهي السياسة التي حققت نجاحاً مشهوداً عندما أجبرت قوات الدعم السريع المتحصنة بالمبنى على محاولة الهرب، فسهلت اصطيادها في كمين محكم أوقع فيها خسائر كبيرة للغاية وثقتها مقاطع الفيديو المنتشرة عن العملية.

خصوم الجيش حاولوا التقليل من أهمية هذا الانتصار بكل السبل، بل وسخروا منه من خلال ترديد كلام من شاكلة إن جيشاً عمره مائة عام يحتفل بتحرير بيت وشارع عرضه 40 متراً، أو بأسئلة من نوع: هل تعادل استعادة مقر الإذاعة والتلفزيون خسارة ولاية كاملة مثل الجزيرة؟

الحقيقة أن هؤلاء يديرون معركة سياسية وحرباً نفسية ولديهم أجندتهم وحساباتهم، وسيواصلون التقليل من أي تقدم يحققه الجيش، بل إنهم يتمنون هزيمته، وإن تظاهروا بغير ذلك.

الجيش كان عليه أن يقاتل لاستعادة مقر الإذاعة والتلفزيون، بينما قوات الدعم السريع لم تستول عليه بمعركة أو حتى بأدنى مستويات القتال. فهي أصلاً كانت موجودة في حراسة المبنى، وفي صبيحة الخامس عشر من أبريل (نيسان) الماضي غيرت فقط من طبيعة وجودها فيه من قوة حراسة إلى قوة احتلال للموقع، وهو ما حدث في العديد من المواقع والمنشآت الحيوية في العاصمة صبيحة ذلك اليوم.

معركة استعادة الإذاعة كانت معركة طويلة، مرت بمراحل مختلفة تطلبت أن يستعيد الجيش خلالها أحياء أمدرمان القديمة، ويؤمن طريق الوصول إلى مقر سلاح المهندسين الذي ظل محاصراً عدة أشهر. وعندما تحققت هذه الأهداف بدأت الخطوة الأخيرة لإحكام الطوق حول مبنى الإذاعة والتلفزيون تمهيداً لاقتحامه، أو إجبار المتحصنين داخله على الخروج منه. الغريب أن بعض الناس حاول الانتقاص من العملية العسكرية بقوله إن الجيش لم يستعد المبنى بالقتال المباشر، وإنما بالاعتماد أساساً على المسيّرات، وكأنما المسيّرات ليست جزءاً أساسياً في استراتيجيات الحروب الحديثة!

ماذا بعد؟

عملية استعادة الإذاعة والتلفزيون على أهميتها لا تشكل سوى خطوة في طريق طويلة من المعارك لاستكمال القليل المتبقي من تحرير أمدرمان، ثم الانطلاق لاستعادة السيطرة على مدينتي الخرطوم وبحري اللتين تدور فيهما معارك يتوقع أن تشتد وتتوسع في قابل الأيام، بالتوازي مع معركة منتظرة أيضاً في إقليم الجزيرة الذي سيطرت عليه قوات الدعم السريع في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن يومها يشهد انتهاكات واسعة أقضت مضاجع السودانيين.

من المنظور العسكري فإن استعادة الإذاعة تعني إكمال سيطرة الجيش على المنطقة من قاعدة وادي سيدنا إلى سلاح المهندسين مروراً بأحياء أمدرمان القديمة ومحلية كرري وتأمين الطريق الممتدة على الشريط المتاخم لنهر النيل، ما يسهل حركة القوات ويؤمن طرق الإمداد. فمقر الإذاعة والتلفزيون كان يمثل قاعدة عسكرية مهمة لقوات الدعم السريع، ومستودعاً مهماً للأسلحة والعتاد، ومنه كانت تشن عمليات القصف المدفعي لكثير من أحياء أمدرمان، وبخسارته تكون قد فقدت شرياناً مهماً لعملياتها، وباتت الطريق مفتوحة أمام الجيش لكي ينطلق بهجمات عبر جسري النيل الأبيض والفتيحاب نحو الخرطوم التي ستكون الهدف المقبل مع مدينة بحري. فكل التصريحات والاستعدادات والتحركات تنبئ بأن هذه المعركة باتت وشيكة، وكذلك معركة ولاية الجزيرة.

استعادة مباني الإذاعة والتلفزيون التي تضم أيضاً المسرح القومي، إلى جانب رمزيتها في وجدان السودانيين فإنها تكمل أيضاً خطوات استعادة الحياة في منطقة أمدرمان التي شهدت أخيراً حملة لتنظيف سوقها القديمة وإصلاح خطوط الكهرباء تهيئة لعودة أهلها إليها. فعودة الناس إلى بيوتهم وأحيائهم هي المعنى الحقيقي لعودة الحياة إلى المدينة وإزالة الحزن الذي غلفها وكان بادياً في صمت كثير من الشوارع المهجورة، والبيوت المفتوحة على مصاريعها بعد أن استبيحت ونهبت. ومع هذه العودة سيعود أيضاً «صوت السودان» لينطلق مرة أخرى من مقره أو «الحوش» كما يحلو لمن عملوا فيه تسميته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

استعادة «صوت السودان» استعادة «صوت السودان»



GMT 01:51 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

إيران... إصلاح النظام لا إسقاط الدولة

GMT 09:10 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إيران... إصلاح النظام لا إسقاط الدولة

GMT 09:07 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

«حاجة» في نفس القيصر

GMT 09:04 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

صراع الأحبة

GMT 09:00 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

التجارة الحرام

GMT 08:53 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

تشاد وثمن تأجيج حرب السودان

GMT 08:48 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

مشهد الشيخ دونالد

GMT 08:45 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

عالم متغير يزيل الأمم المتحدة وينعش أنظمة إقليمية!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 04:45 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
 صوت الإمارات - اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان

GMT 03:03 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

TeraWave هل ستغير قواعد الإنترنت الفضائي للشركات والحكومات
 صوت الإمارات - TeraWave هل ستغير قواعد الإنترنت الفضائي للشركات والحكومات

GMT 17:57 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

قاوم شهيتك وضعفك أمام المأكولات الدسمة

GMT 19:50 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تمرّ بيوم من الأحداث المهمة التي تضطرك إلى الصبر

GMT 04:35 2019 الجمعة ,13 أيلول / سبتمبر

يحمل إليك هذا اليوم تجدداً وتغييراً مفيدين

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تنجح في عمل درسته جيداً وأخذ منك الكثير من الوقت

GMT 21:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 11:17 2018 الثلاثاء ,09 كانون الثاني / يناير

مدينة سبتوبال البرتغالية لشهر عسل رومانسي وهادئ

GMT 21:53 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يتيح أمامك هذا اليوم فرصاً مهنية جديدة

GMT 16:14 2015 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

خفر السواحل التركي يضبط 93 مهاجرًا غير شرعي

GMT 11:57 2012 الجمعة ,12 تشرين الأول / أكتوبر

تعليم الصلاة للأطفال مسؤولية الأمهات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates