مع هوبز حول نُذُر الحرب الأهلية

مع هوبز... حول نُذُر الحرب الأهلية

مع هوبز... حول نُذُر الحرب الأهلية

 صوت الإمارات -

مع هوبز حول نُذُر الحرب الأهلية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

 

تعبّر الحروب الأهلية عن حالةٍ مرتبطة بفقدان سيطرة الدولة على الواقع، فضلاً عن تفكك النسيج الاجتماعي، وانهيار المؤسسات، وفشل تأسيس الهوية الجامعة.

ما من سببٍ واحد لنشوب أيّ حربٍ أهلية يجعلنا نضعه مرجعاً كلياً لتفسير بدء هذه الحرب أو تلك، لكن يمكننا محاولة الفهم والدرْس.

ثمة فروقات بين الحروب الأهلية في اليونان، وبينها في العصور الأخيرة مثل الحرب الأهلية في إنجلترا وفنلندا وإسبانيا وأميركا وغيرها.

لكل حربٍ أهليّة دوافعها وأسبابها وظروفها التاريخية والدينية والسياسية. يمكن الاستئناس ببعض الأسباب التي تشترك فيها معظم تلك الأحداث وعلى رأسها ترهّل الدولة وانهيار المؤسسات وتلاشي الهويّة الجامعة التي تتجاوز الانتماءات القبلية أو العرقية أو الدينية.

الفيلسوف توماس هوبز عاصر الحرب الأهليّة الإنجليزية، وكتب عنها بتوسّع نظريّ مهم بمؤلفه الرئيسي «اللفياثان».

في فصلٍ من الكتاب بعنوان: «في أسباب ضعف الدولة أو انحلالها» يقول: «على الرغم من أن كلّ ما يبنيه الزائلون ليس أبدياً، فقد كاد يكون على هذا النحو لو أنهم حموا دولتهم بطريقةٍ أفضل، من الأمراض التي تزيلها من الداخل، فلجأوا إلى استخدام العقل كما يزعمون غالباً، هذا وإنّ الدول قد أُنشئت بطبيعة تأسيسها لتستمر بقدر ما يستمر الجنس البشري، أو قوانين الطبيعة، أو العدالة عينها التي تبثّ فيها الحياة. فعندما تتفكك تلك الدولة ليس بسبب العنف الخارجي، بل بسبب الاضطرابات الداخلية، لا يكمن الخطأ لدى البشر باعتبار تكوينهم المادي، بل بصفتهم بُناة ومنظّمين في الواقع. يميل البشر بكل قواهم إلى تنظيم مجتمعهم ضمن بنيةٍ فريدة ومستقرة ومستمرة، وذلك بعد أن سئموا المواجهة والإساءة بعضهم إلى بعض في أي مناسبة. ولمّا كان البشر يفتقرون في آنٍ إلى فنّ وضع القوانين الجيدة لدعم أفعالهم، كما إلى التواضع والصبر لتحمّل حرمانهم من المظاهر الفظّة والغليظة التي تصنع مجدهم للحظات معدودة يستحيل عليهم أن يجتمعوا من دون مساعدة مهندس كفء في كوخٍ لا يدوم مدةً أطول من حياتهم وينتهي بالتدحرج على رؤوس فروعهم».

لكن ماذا عن إعاقات الدولة؟!

يجيب هوبز: «تدخل ضمن إعاقات الدولة، وفي المرتبة الأولى تلك الناتجة عن تأسيسٍ ناقص، وهي تشبه أمراض الجسم الطبيعي الناجمة عن إنجابٍ سريع». (للتوسع انظر «اللفياثان» ص: 318-319).

هذا النصّ المهم من هوبز يحلل معنى الدولة الناقصة باعتبار نقصها السبب لنشوب أيّ حربٍ أهلية أو اقتتال داخلي.

التحوّلات التي يشهدها الإقليم منذ عقدين وأكثر، تجعل تحليل هوبز راهناً ومفيداً على الرغم من أن كتابه صدر عام 1651.

مضى على تحليله كل تلك القرون لكنّ النظريّة الفلسفية السياسية الهوبزيّة لا تزال فعّالة حتى اليوم. الهدف من العودة إليه الاعتبار من التاريخ، فهوبز حلل الحرب الأهلية ليس بوصفه مجرّد فيلسوف، وإنما بصفته معاصراً لها أيضاً. وعليه فإن كل كلمةٍ يقولها لها دلالتها النظريّة وتجربتها الذاتية.

يمكن تلخيص فكرة هوبز بالآتي: كل دولةٍ تنشأ ناقصةً تكون احتمالات الحرب الأهلية فيها عالية.

لتجنّب الحرب الأهلية لا بد من تأسيس دولةٍ قادرة على نسج هويّة جامعةٍ تذوب معها النعرات الطائفية، والإكراهات الآيديولوجية، والصراعات القبليّة. نجاح أي دولة يكمن في تحجيم الرمزيات الاجتماعية التي يمكنها أن تحشد للاشتباك، أو تذكّر بأحداث الانتقام، أو تربّي الأحقاد.

الخلاصة؛ أن الحرب الأهلية مرتبطةٌ بتفكك الدولة ومؤسساتها، وبالعجز التام عن تثبيت هويّة وطنيّة مرجعها مدنيّ بحت، وبخاصةٍ مع التحوّلات السياسية في المحيط التي يشهدها كثير من الدول منذ أوائل الألفيّة حتى الآن. القوّة التي يمكن لأي مجتمعٍ أن يلوذ بها هي الدولة، وكلما ضعفت الدولة آب الناس إلى أعراقهم وأنسابهم وطوائفهم وآيديولوجياتهم، وهذه العودة بالتحديد هي وقود الحرب الأهلية، بل تجعل احتمال نشوبها أكبر، حينها يمكن لأيّ اشتباك طائش أن يفتح أبواب جهنم... هكذا روى لنا التاريخ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مع هوبز حول نُذُر الحرب الأهلية مع هوبز حول نُذُر الحرب الأهلية



GMT 21:30 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

«حسبها أسودًا وهي أرانب».. قصة قصيرة

GMT 21:30 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

كزبرة وغزى.. ذبح موهبتين بنصل سكين بارد!!

GMT 21:29 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

المطرب العاري والآخر أبو فستان!

GMT 21:28 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

أين تنتهي خاصرتها؟

GMT 21:27 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

هل اللّقاحات... مؤامرة؟!

GMT 21:26 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

الغرب مشكلةٌ للعالم ولنفسه!

GMT 21:25 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

تخدير الوعي وحلم الهجرة

GMT 21:24 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

الأمم المتحدة نحو المجهول

ياسمين صبري تتألق في رحلة صيفية بإطلالات أنثوية وألوان جريئة

القاهرة - صوت الإمارات
جمعت النجمة ياسمين صبري في رحلتها الصيفية بين هدوء الريفييرا اليونانية ونبض العاصمة الماليزية كوالالمبور، مُقدّمة خزانة ملابس متنوعة اعتمدت فيها على التنوع في القصّات والألوان بما يتناسب مع طبيعة كل وجهة سياحية، حيث تنقلت بين اختيارات أنثوية حالمة وألوان صيفية نابضة وتصاميم عصرية. وشهدت إطلالات اليونان تركيزاً على التصاميم الأنثوية الهادئة، إذ ظهرت بفستان أبيض طويل من قماش الدانتيل المخرّم مع حمالات رفيعة وتطريزات دقيقة انسجمت مع الأجواء المتوسطية، ثم انتقلت إلى جمبسوت كحلي أنيق بتصميم مكشوف الكتفين وسروال واسع لإطلالة راقية، بالإضافة إلى فستان طويل مطبع بالورود الملونة بأسلوب الملتف عند الصدر والخصر. أما في كوالالمبور، فتنوعت خياراتها لتصبح أكثر جرأة وعصرية؛ إذ ارتدت فستاناً أحمر قصير بتصميم الملتف مع حذاء مسطح وحق...المزيد

GMT 20:41 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 19:29 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 18:08 2018 الثلاثاء ,27 شباط / فبراير

ميلانيا ترامب تخطف الأنظار في فستان أسود طويل

GMT 07:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

العالم الهولندي يتوقع حدوث خامس أضخم زلزال خلال 20 عامًا

GMT 03:54 2020 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

زيت الورد لتغذية فروة الرأس والشعر

GMT 03:23 2020 الجمعة ,10 كانون الثاني / يناير

علاج الزبادي والخل لتنعيم القدمين ولإزالة القشور

GMT 19:06 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

حاكم دبي يفتتح معرض "دبي الدولي للطيران 2019" بمدينة المعارض

GMT 17:26 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

عمر خيرت يحيي حفلا في العاصمة الإدارية الجديدة

GMT 08:25 2019 الأربعاء ,29 أيار / مايو

ميلانو يعلن رحيل مدربه غاتوسو بالتراضي

GMT 01:57 2019 الثلاثاء ,08 كانون الثاني / يناير

أفكار مدهشة لاستغلال ديكور مدخل المنزل

GMT 14:43 2018 الأربعاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مغربية مغتصبة تحثُّ الفتيات على مقاومة الاعتداءات الجنسية

GMT 15:57 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

إليكِ أفضل العطور النسائية الجذابة من " جيفنشي"

GMT 23:06 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أماكن مثيرة لوضع التاتو للتجديد في العلاقة الحميمة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates