قضية توطين المهاجرين تتجاوز بكثير السجال الدائر داخل المجتمع المدني في ليبيا، وتتأرجح بين مصدق ومكذب، خصوصاً بعد الكشف عن أوراق تسجيل وتوثيق للمهاجرين، وإصدار بطاقات تَجوُّل، وأخرى بنكية تُستخدم للشراء والتداول، من جانب بعض المنظمات الدولية التي لم تحترم السيادة الليبية، كما مارست نشاطات خارج دورها الإنساني... ورغم محاولاتها النفي، فإن بعض إجراءات هذه المنظمات تؤكد شبهات التوطين الناعم من دون أدنى شك.
السياسات الأوروبية الخاطئة، والانقسام الليبي الداخلي، قد يحوّلان البلاد موطناً بديلاً للاجئين.
وتُتهم «المفوضية السامية للاجئين» بتجاوزها حدود السيادة الوطنية الليبية، حيث منحت بطاقات تعريف وأخرى بنكية للمهاجرين؛ الأمر الذي عدّ بعض المراقبين أنه يعكس حالة من حالات التوطين بالكفالة والاحتواء، ويقع ذلك رغم نفي «المفوضية» حدوث أي إجراءات للتوطين.
والشارع الليبي لا يثق بالحكومة المنتهية الولاية؛ لأنها قد توظف التوطين سياسياً، وقد تقبل به لكسب النقاط ضد خصومها. لكن يبقى السؤال: من الصادق في مصير هؤلاء اللاجئين؛ المفوضية أم الحكومة، خصوصاً أن حالات النزوح التابعة لـ«المنظمة»، بلغ عددها في ليبيا خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2026 نحو 936 ألفاً و134 مهاجراً، ينتمون إلى 47 جنسية مختلفة؟ كل ذلك يحدث رغم أن القانون الليبي رقم «24» لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا، واضحٌ وصريح في تجريم التوطين ومَن يشارك أو يسهّل إجراءات تنتهي بالتوطين، فالقانون لم يكن يستهدف فقط مكافحة المخالفات الفردية المتعلقة بوجود الأجانب كـ«تهريب» المهاجرين لترحيلهم إلى خارج البلاد، وإنما أيضاً مواجهة ما عدّها مخاطر ذات طابع ديموغرافي وسيادي قد تترتب على تَحوّل ليبيا من «دولة عبور» إلى «دولة استقرار دائم» لهؤلاء المهاجرين.
فالقانون الليبي يجرم الأفعال التي تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في التوطين، ويجرم كل فعل يؤدي إلى إدخال الأجانب ليبيا بقصد البقاء فيها واتخاذها موطناً دائماً لهم، كما عُدّت من قبيل التوطين إعادةُ الأجانب إلى ليبيا بعد خروجهم من الأراضي الليبية، فالقانون يؤسس لمنع الاستقرار الدائم للأجانب خارج الأطر القانونية التي تقررها الدولة.
فمفهوم التوطين عند «المفوضية السامية» هو إبقاء المهاجرين واللاجئين بمختلف تصنيفاتهم في «دولة العبور» ومنحهم وضعاً قانونياً يسمح لهم بالبقاء، كما فعلت «المفوضية السامية» التي أعطت للمهاجرين بطاقات مصرفية وبطاقات إدارية للتعريف؛ مما يمنحهم وضعاً قانونياً بالمخالفة للتشريعات الليبية؛ التي أصدرها البرلمان، وذلك بدلاً من السماح لهم بالعبور إلى دول أخرى أو إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. وهذا الوضع يضر بالحالة الليبية ويحولها ضحيةً لحساب الدول الأوروبية، خصوصاً إيطاليا وفرنسا وألمانيا التي ترفض المشاركة الفعالة في أي حل مستدام وليس مؤقتاً سرعان ما ينهار.
مساحة ليبيا الشاسعة، وقربها من الشواطئ الأوروبية، يجعلانها محطة مهمة للمهاجرين؛ سواء للعبور؛ وللتوطين إذا فشلت رحلة الأحلام إلى أوروبا، بينما الدول الأوروبية؛ الوجهة المبتغاة للمهاجرين، لا تبذل أي جهد يذكر سوى أنها تحاول تصدير أزمة الهجرة إلى ليبيا من دون تقديم حلول حقيقية، وتطلب من ليبيا أن تكون حارس حدود لشواطئها.
وكذلك موقف دول المَصدَر (الموطن الأصلي للمهاجرين) التي غالبيتها تعاني أزمات سكانية واقتصادية تجعل من هجرة سكانها متنفساً لها من أعباء لا تستطيع القيام بها. وبعضهم يرى في ليبيا؛ الدولة الغنية بالنفط والمساحة الشاسعة ولديها ندرة في السكان، مكاناً مناسباً لتوطين هؤلاء، بينما المجتمع الليبي المتجانس عرقياً ودينياً يرفض محاولات العبث بهذه الديموغرافيا المتجانسة منذ آلاف السنين.
الوضع السياسي المنقسم، والحالة الأمنية غير المستقرة في غرب ليبيا خصوصاً، يجعلان ليبيا غير قادرة على تحمل أعباء المهاجرين على حساب أمنها المجتمعي والسياسي، وإمكانية استخدامهم في أي صراع مسلح غرب البلاد من قبل الميليشيات المنتشرة في طرابلس وما جاورها.
الليبيون بجميع تركيباتهم القبلية، وحتى منظمات المجتمع المدني، ينظرون إلى توطين المهاجرين في بلادهم على أنه احتلال، ويشكل تهديداً حقيقياً للأمن الوطني قد يؤدي إلى انتشار الجريمة المنظمة، وزيادة التدخلات الخارجية، وتدمير النسيج الاجتماعي، ناهيك باستنزاف الموارد البشرية من المياه والغذاء والخدمات الصحية، وبانتشار الأمراض التي لم يسبق أن كانت مستوطِنة في البيئة الليبية، وتسبب في انتشارها «تسونامي المهاجرين».
المعالجة الحقيقية لأزمة المهاجرين تكمن في تحسين الظروف المعيشية؛ من الفقر والجوع والمرض والحروب، التي أجبرتهم على الهجرة في بلدانهم الأصلية. ولذلك؛ تُعدّ أساسيةً مشاركةُ «الاتحاد الأوروبي»؛ الغني بقدراته المالية والتنموية، في تنمية دول المهاجرين الأصلية، وتنظيم العمالة، ودعم برامج العودة الطوعية، بدلاً من فرض التوطين على بلدان مثل ليبيا؛ هي ضحية للهجرة وليست سبباً فيها، فليبيا لا تتحمل مسؤولية هؤلاء المتسللين إلى أراضيها؛ لأنهم دخلوا أراضيها من دون علم أو أذن السلطات حتى يكتسبوا حق التمتع بالحماية والوطن البديل في ليبيا.
ليبيا حتماً لن تصبح الموطن البديل مهما كانت حملات التوطين ناعمة أو حتى صلبة.