أرض التنين

أرض التنين

أرض التنين

 صوت الإمارات -

أرض التنين

عوض بن حاسوم الدرمكي
بقلم - عوض بن حاسوم الدرمكي

«اجعل القريبين منك سعداء، وسيأتيك البعيد بنفسه»، تذكرتُ هذه الحكمة الصينية وأنا أرى الرئيس الصيني شي جينغ بنغ يستهل زياراته الخارجية بدولة الإمارات. الكبار لا يركضون عبثاً، والدول العظمى لا تضع على رأس زيارات عمل رئيسها إلا الوجهات التي تستحق الرهان عليها، ما سمعوه ثم رأوه ثم خبروه عن قرب من توهج حضاري متنوع في «دار زايد» بحاضرٍ زاهر ومستقبلٍ واعد هو ما يجعل الكبير يثق أنه سيضع يده في يد كبير آخر لأجل منفعةٍ متبادلة وتفاعل أكبر لغدٍ أفضل للدولتين.

سأتحدث هنا عن الصين، أرض التنين، بلاد التاريخ العريق والحاضر المبهر، فسكانها تجاوزوا 1.4 مليار نسمة، بمعنى أنه بين كل خمسة أشخاص في العالم فإن أحدهم سيكون صينياً بالتأكيد، وفوق ذلك فهي رابع أكبر دولة في العالم مساحة، وهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد تجاوزها اليابان عام 2010 بناتج قومي بلغ 14 تريليون دولار، وإنْ تم أخذ الناتج وفقاً للقدرة الشرائية فإن الصين هي الأولى عالمياً!

تاريخ الصين ليس مجالاً للتشكيك، فهي الحضارة الوحيدة «المتصلة» حتى اليوم، وتعود للوراء لمدة 4000 سنة، ومنجزاتها لا تحصى، فالصينيون هم من اخترع البوصلة وصناعة الورق والبارود، بل حتى الآيسكريم، الذي كان يصنع من الحليب والأرز ويخلط بالثلج، وعلى ذكر الأرز فإنّ من الطريف ذكر أنّ المِلاط الذي تم استخدامه بين أحجار السور العظيم تم عمله بخليط من الأرز اللزج، وبلغ من براعتهم أنْ طوّروا فنونهم القتالية الشهيرة من حركات الفلاحة والصيد، وفوق ذلك هم من اخترع الجسور المعلقة قبل أن يعرفها الغرب بأكثر من 1800 سنة، وسبقوا الدنيا في صناعة الحرير، التي كانت سراً لا يجوز الإفصاح عن تقنياته، ومَن خالف ذلك اعْتُبِرَ خائناً قد تصل عقوبته للإعدام!

ليس أدلّ على نجاح الصين دولةً واقتصاداً من قضية تخفيض معدلات الفقر، فعندما افتخرت الأمم المتحدة بنجاح هدفها للألفية بتخفيض نصف معدلات الفقر العالمية فإن الحقيقة تقول إن الفضل في ذلك للصين، التي مثّلت 75% من ذلك الرقم في الفترة من 1990 إلى 2005.

من المهم الإشارة إلى أن الصين، أيضاً، هي أكثر دول العالم تعداداً فيما يخص العالم الافتراضي، أيضاً، بواقع 772 مليون مشترك نشط، الذين يوجدون باستمرار على ثلاث منصات صينية: Baidu, Alibaba, Tencent، حيث تعتبر Baidu شركة خدمات الإنترنت الرئيسة، وواحدة من أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، ومحرك بحثها الثاني عالمياً، وأول شركة صينية تُدرَج على مؤشر NASDAQ-100، وحققت عوائد في العام المنصرم تجاوزت 84 مليار دولار، بينما Alibaba شركة التجزئة الإلكترونية حققت في إغلاق طرح أسهمها الأولى 25 مليار دولار كأعلى قيمة في التاريخ، بينما تبلغ قيمتها السوقية حالياً 542 مليار دولار كثاني شركة آسيوية تتجاوز نصف تريليون بعد شركة Tencent، التي تعد بدورها أكبر شركة عالمية في مجال الاستثمار في التقنية والذكاء الاصطناعي والسوشل ميديا وألعاب الحاسوب، ويستخدم تطبيقها للتواصل WeChat أكثر من 900 مليون مستخدم عالمياً.

النزعة الجديدة في الاقتصاد الصيني تقوم على مبدأ الاستئجار بدلاً من الشراء، وهو نهج يتوقع أن يُمثّل 10% من الاقتصاد بحلول عام 2020، حالياً تستطيع أن تستأجر أي شيء: السيارات والمعدات وآلات خلط الأسمنت وكرة القدم ومضارب التنس ومظلات الشمس، وكل ما يدور ببالك، كل ذلك باستخدام التطبيقات الذكية وبطرق مسهّلة للناس، فمثلاً شركتا Ofo وMobike لتأجير «السياكل» لديهما 6 ملايين مستخدم أسبوعياً يستطيعون ترك الدراجات الهوائية في أي مكان، وليس مراكز الشركة، ويتم تحديد مواقعها من قبل الراغبين بتقنية الـ GPS بالهواتف الذكية وفتح أقفالها واستئجارها من خلال QI Code. شركة Ofo مثلاً تأسست قبل سنتين فقط، وحالياً تبلغ قيمتها السوقية ملياري دولار!

الفورة الاقتصادية في أرض التنين غير معقولة، ففي يوم العزّاب Single’s Day الذي تم اختراعه تحققت مبيعات أكثر من مبيعات الغرب في Black Friday وCyber Monday مجتمعين، ويكفي أن نعرف أنه تم تحقيق مبيعات بمليار دولار في أول خمس دقائق فقط!

ختاماً نذكّر بأنّ أرض التنين لم تجد النجاح على قارعة الطريق، ولا يبدو المستقبل ممهداً لها من دون جهد غير مسبوق، فالتحديات كثيرة، أهمها النظرة لجودة صناعاتها، وانعزالها شيئاً ما عن الأسواق الاستهلاكية الكبيرة، وكون 80% من المياه الجوفية لا تصلح للاستهلاك الآدمي و70% منها ملوثة، لدرجة أن مجرد لمسها يعد خطيراً، هذه التحديات لم يتم تجاهلها، فالمشكلة لا تحل نفسها بنفسها.

في سعيها لتحسين النظرة لجودة منتجاتها أدرجت الصين العام الفائت ما مجموعُه 48.882 من براءات الاختراع، لتتجاوز اليابان، ويتم ترشيحها لتجاوز الولايات المتحدة خلال ثلاث سنوات، ووجهت اهتماماً غير مسبوق في سعيها للسيطرة على مجال الذكاء الاصطناعي وأبحاثه ومستقبله، وتم وضع مشروع بقيمة 80 مليار دولار لشق ثلاث قنوات رئيسة من المقاطعات الجنوبية الغنية بالمياه الصالحة للشرب لإيصالها للتجمعات الحضرية في الشمال والغرب والشرق، كما قامت باعتماد مبلغ تريليون دولار لطريق الحرير الجديد لربطها بأواسط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، لتتمكن بضائعها من الوصول لما يقارب 3 مليارات إنسان «قادرين على الشراء»، هذا المشروع الجبار هدفه الرئيس الإطاحة بالولايات المتحدة كأقوى اقتصاد عالمي بحلول عام 2030!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أرض التنين أرض التنين



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

هيفاء وهبي تعيد تعريف أنوثة الدانتيل بين الجرأة والرومانسية

ميلانو - صوت الإمارات
تواصل النجمة اللبنانية هيفاء وهبي تأكيد مكانتها كأيقونة للموضة من خلال اعتمادها المتكرر لصيحة الدانتيل الفاخرة، والتي سخرتها لإبراز جمال قوامها وأسلوبها العصرى في مختلف المناسبات، بدءاً من أسبوع الموضة في ميلانو، ومروراً بأعمالها الغنائية وحفلاتها المسرحية، وصولاً إلى إطلالاتها اليومية والاستعراضية. وكان أحدث ظهور لهيفاء خاطفاً للأنظار خلال حضورها عرض أزياء "دولتشي أند غابانا" ضمن أسبوع الموضة بميلانو، حيث انتقت إطلالة جريئة من الدانتيل الأسود الشفاف المكرز بالورود المفرغة، تكونت من تنورة ميدي بحواف الكشكش وتوب كلاسيكي بأكمام قصيرة منتفخة وياقة عالية، وأكملت اللوك بحقيبة وحذاء مدبب من الدار نفسها مع نظارة داكنة وساعة ذهبية. كما أطلت في فيديو كليب أغنيتها الجديدة بفستان كلاسيكي مجسم من الدانتيل الأسود بتوقيع &qu...المزيد

GMT 18:40 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

دليل شامل للعناية بالأثاث المنجد وحمايته من التلف
 صوت الإمارات - دليل شامل للعناية بالأثاث المنجد وحمايته من التلف

GMT 21:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 04:18 2015 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

عاصفة ثلجية قوية متوقعة على شمال شرق أميركا

GMT 05:00 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

وارنوك يتوقّع توديع كرة القدم مع فريق "كارديف سيتي"

GMT 14:05 2017 الإثنين ,11 أيلول / سبتمبر

تاي ديلينجر يكشف عن رأيه في مواجهة ستايلز في nxt

GMT 10:43 2017 الإثنين ,09 كانون الثاني / يناير

معمر الإرياني ينظّم حملة للتوعية بخطورة التطرف

GMT 20:58 2020 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

ديجون الفرنسي يتجه لضم منديل بشكل نهائي

GMT 17:38 2018 السبت ,15 كانون الأول / ديسمبر

26 لاعبًا في قائمة "الأبيض" الإماراتي لمعسكر دبي

GMT 22:50 2014 السبت ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

ارتفاع طفيف على درجات الحرارة فى فلسطين

GMT 07:31 2017 الخميس ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

أسوس تستعد لإطلاق لاب توب جديد بنظام ويندوز 10
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates