ذئبٌ على الأبواب

ذئبٌ على الأبواب

ذئبٌ على الأبواب

 صوت الإمارات -

ذئبٌ على الأبواب

عوض بن حاسوم الدرمكي
بقلم - عوض بن حاسوم الدرمكي

في أواخر القرن السادس عشر وتحديداً عام 1589 اخترع شخصٌ بريطاني يُدعى «ويليام لي» آلة خياطة تحتوي على إبر متعددة لإنتاج نسيج أفضل جودة وبزمنٍ أقصر، ولثقته بقدرة اختراعه على إحداث ثورة في عالم المنسوجات قام بالسفر من مدينته إلى لندن لمقابلة الملكة إليزابيث الأولى لدعم فكرته والحصول على براءة اختراع من أعلى سلطة في البلاد، بعد عدة أسئلة من الملكة قامت برفض طلبه، وتأخر ظهور تلك الآلة قرابة قرنين من الزمان!

لم تكن الملكة محاربة للتجديد ولا رافضة للابتكارات الخلاقة، لكنها تعلم أن ليس كل جديد يجب أن يُحتفى به وليست كل صرعة جديرة أن يتم تبنّيها مهما كانت برّاقة، لم تكن تنظر كتاجر يبحث عن ملء جيوبه بأموالٍ أكثر ولكن كانت ترنو بعيداً كما يجب بالملوك أن يفعلوا، لذا كان جوابها صريحاً وهي تقول له: «أنت تهدف للعالي يا سيد لي، ولكن تخيّل ما يمكن أن يجرّه اختراعك هذا على رعيتي البسطاء، لا شك في أنّه سيحمل الدمار لهم، سيفقدون مِهَنَهُم ويتحولون إلى متسوّلين في الطرقات»!

ندّعي حالياً أننا العصر الذي أصبح أكثر تقدماً حتى من التقدّم نفسه، لكننا نفقد مع كل خطوة في هذا العصر الغريب الكثير من إنسانيتنا، كلما مر الوقت أصبحت الأنانية والنخبوية أمراً غير مستهجن، وغدت الملايين المتزايدة من البشر الذي لا يجدون ما يسد رمقهم لا ما يحقق أحلامهم آخر اهتمامات ساسة الدول الكبرى، المؤسف أنّ من أتوا خلف إليزابيث الأولى عكسوا الاستجابة تماماً، فها هي شركة Amazon تُعلِن أنها بصدد بناء مقر جديد لها في شمالي أميركا، وبدلاً من أن يتم إيقافها إذا بُحكّام الولايات وعمداء المدن الأميركية بمن فيهم رئيس وزراء كندا يتدافعون لخطب ود الشركة واستضافة مقرها، «طيّب وين الرعية البسطاء؟».

لنفهم خطورة هذه الشركة لا بد من التوقف مع بعض الحقائق المتعلقة بها، فقد انتقلت هذه الشركة التي لم يتجاوز عمرها 23 سنة فقط من نشاط بيع الكتب على شبكة الإنترنت لتصبح عملاقاً اقتصادياً إيراداته السنوية تبلغ 177 مليار دولار عام 2017، بينما تجاوزت قيمتها السوقية تريليون دولار في سبتمبر الماضي لتكون ثاني شركة في التاريخ تصل لهذه القيمة الخيالية!

حالياً تبيع أمازون «كل شيء تقريباً» وبمعدل 1.7 مليون صندوق يتم شحنه يومياً، وهي تسيطر سيطرة مطلقة على المبيعات على شبكة الإنترنت، وهي في طور الدخول للخدمات المالية وقطاع الصحة، فضلاً عن دخولها للقطاع الصناعي الذي تقدر قيمته بثمانية تريليونات دولار حيث توفر كل شيء بدءاً من المسمار والحنفية وحتى أكبر وأعقد المحركات الصناعية وما يتبعها من توفير عقود صيانة لها أيضاً!

 

أمازون تُقدّم الخدمات السحابية Cloud Computing لعملاء كُثُر يقف في مقدمتهم وكالة الاستخبارات المركزية CIA وشركة Netflix، وهي نجم صاعد في قطاع الملابس، وشركة إنتاج أفلام حائزة جوائز مهمة، واستحوذت على شركة Whole Foods بمبلغ 13.7 مليار دولار لتستقطع حصة سوقية عالية في قطاع الأغذية وتجارة التجزئة، ويكفي لفهم حجم نجاحها اللافت أنْ نعلم بأنّ سعر سهمها ارتفع منذ إطلاقه قبل عقدين من الزمان بنسبة 42,000%!

البعض يحاول تشبيه أمازون بـ«بُعبع» آخر هو Walmart، لكن الحقيقة أن أمازون احتاجت 18 عاماً لتتساوى مع وول مارت في القيمة السوقية، ثم سنتين فقط لتصبح ضِعف قيمتها، وحالياً لا يوجد من يستطيع مجاراة أمازون وشبكاتها وقدراتها اللوجيستية ومخازنها التي تضم أكبر عدد للروبوتات التي تبلغ 45,000 روبوت يجوبون الأرفف وخطوط التوزيع، ويكفي أن نعلم أن توسعها يقابله إفلاس وخروج للكثير من المنافسين ولا سيما صغار التجار، فقد أُقفل العام الماضي أكثر من 8600 محل في الولايات المتحدة وهو ضعف العام الذي سبقه وخسرت السوق الأميركية أكثر من نصف مليون وظيفة، والقادم أسوأ!

من جانب آخر فقد أصبح جيف بيزوس مؤسس أمازون ورئيسها التنفيذي ليس أحد أثرى أثرياء العالم فقط ولكن أحد أكثر البشر تأثيراً، يكفي أنه قام بشراء صحيفة واشنطن بوست رابع أكثر صحيفة قراءة عالمياً بعد غارديان البريطانية ووول ستريت جورنال ونيويورك تايمز الأميركيتين، وإحدى أكثر مراكز الثقل الإعلامية تأثيراً في صناعة القرار بأروقة البيت الأبيض والكونغرس الأميركي بمجلسيه النواب والشيوخ، الأمر الذي يفسر الكثير من سرعة اكتساح الشركة كل القطاعات التي تستهدفها!

الموضوع المقلق أن أمازون تستطيع بدء حرب «حرق أسعار» بصورة لا يتحملها منافسوها ما يجعلهم أمام أمرين: إما الخروج نهائياً من السوق أو أن يتم شراؤهم من أمازون، ربما أكبر شركة تشعر بالتوتر الآن هي Walmart فهو ما فعلته سابقاً بجميع منافسيها ويبدو أنها ستشرب من ذات الكأس، طبعاً هذا الأمر ستتبعه نتيجتان: استحالة دخول شركات ناشئة للقطاعات التي تحتكرها أمازون، وأن تصبح أسعار السلع تحت رحمة أطماع جيف بيزوس ومساهميه!

لستُ هنا في صدد معارضة فكرة الأسواق المفتوحة، ولكن أمازون لا تريد أن تحتكر السوق فقط، بل تريد أن تكون هي السوق «الكوني» الوحيد، وفي الأسواق الناشئة كأسواقنا لا بد من أن نحمي التجار وصغار التجار من هذا البعبع الذي لا يرحم أحداً، وألا نسمح له بوأد طموحات وأحلام الشباب الراغبين في الدخول لعالم القطاع الخاص، أمازون ذئبٌ لا يشبع يقترب من أبوابنا ولا بد من أن يُدفَع بعيداً، يُدفع ويمنع هو ومن يحاول تقليده مهما برّر البعض بأنّ هذه الشركة ستوفر فرص عملٍ كثيرة لأبناء البلد، هناك فرقٌ كبير بين أن يكون لديك عشرات الآلاف من رجال الأعمال الشباب وبين أن يتم تحويل هؤلاء كلهم أو أغلبهم لموظفين في شركة محتكرة لتقتات من أحلامهم لملء جيوب صاحب الشركة ومساهميها الجشعين!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ذئبٌ على الأبواب ذئبٌ على الأبواب



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 20:48 2025 الأربعاء ,02 إبريل / نيسان

زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب أيسلندا

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 16:31 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

روبوتان يحملان شعار أولمبياد 2020 يدهشان الطلاب في "طوكيو"

GMT 06:03 2014 الأربعاء ,03 أيلول / سبتمبر

دراسة تثبت أن مشاهدة أفلام الحركة تزيد محيط خصرك

GMT 20:32 2014 الخميس ,11 أيلول / سبتمبر

رفع رسوم التسجيل العقاري في دبي إلى 4%

GMT 11:17 2018 السبت ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

عبير الأنصاري تتعجب من فستان الفنانة "غادة عادل" الرديء

GMT 13:34 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

معرض تكنولوجيا الطاقة "ويتيكس 2018" يرعى 70 جهة وشركة محلية

GMT 17:03 2018 السبت ,20 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على طريقة وضع "مكياج سموكي" وفقًا لشكل العين

GMT 21:17 2018 الإثنين ,08 تشرين الأول / أكتوبر

"ألف للتعليم" تطبق نظامها بالمدرسة البريطانية

GMT 20:07 2016 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

سمكة قرش تلتهم أخرى "لفرض السيطرة" في كوريا الجنوبية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates