المشكلة لا تُحلّ بمشكلة أكبر

المشكلة لا تُحلّ بمشكلة أكبر!

المشكلة لا تُحلّ بمشكلة أكبر!

 صوت الإمارات -

المشكلة لا تُحلّ بمشكلة أكبر

عوض بن حاسوم الدرمكي
بقلم - عوض بن حاسوم الدرمكي

يذكر أنطونيو غالا في كتابه «غرناطة بني نصر» أنّ سُكّان القرى والبلدات وأصحاب الحقول المحيطة بغرناطة كانوا قد ضاقوا ذرعاً بالضرائب التي يفرضها أبوعبدالله الصغير لتجهيز الجيوش لمحاربة عمه أبي عبدالله الزغل، فقام ممثلون لهم بمراسلة فرديناند وايزابيلا ملكي قشتالة وليون، واللذَين كانت جيوشهما تحيط بالمملكة الصغيرة والأخيرة للعرب، لينضموا تحت ظل مملكتهم شريطة أن تُخفَّف عنهم الضرائب وهو ما وُعِدوا به، ثم ما إن سقطت غرناطة حتى نكث القشتاليون الغزاة بكل وعودهم، ولم يتم النكث بخصوص الضرائب فقط ولكن تعداه لطردهم وكل العرب والمسلمين من ممتلكاتهم!

لدينا مثل محلي يقول «سارت تبغي قرون وردّت بْلَيا عيون»، ففي أحيان كثيرة لا ننظر لكامل الصورة فننخدع ببعض تفاصيلها البراقة عن المساوئ التي قد تحملها، وأحياناً ننظر للفائدة القريبة ونغفل عن الخسارة الكبيرة المختفية بين الزوايا التي عندما تظهر يكون الوقت قد فات للتراجع، وأحياناً نفعل كما فعل جيران غرناطة بالبحث عن مصالح آنية لا تلبث أن تنكشف ليتضح تحتها الوجه الكالح لما ظنناه أنّه المنقذ المخلّص!

تباينت الآراء حول مقال الأسبوع الماضي عن شركة أمازون وخطورتها على أسواقنا المحلية وضرورة إيجاد وسائل لإيقافها قبل أن تبتلع الأخضر واليابس، فهناك من وافق الطرح وضرب عليه أمثلة أخرى، وهناك مَن عارض وأدلى بأسبابه، ولست هنا لتخطئة أحد ولكن لمناقشة مبرّر الأحبة الذين رأوا أن وجود أمازون هو طوق النجاة لهم من «جشع» التجار لدينا وأسعارهم التي تكون غالباً أضعاف سعرها الممكن شراؤها به من موقع أمازون، كانت النبرة عند البعض «قاسية» وهو يتمنى أن يذوق التجار الجشعون المرارة التي طالما جرّعوها للمستهلكين لتلاعبهم بالأسعار ودوام ارتفاع أثمان بضائعهم دون توقف ودون اكتراث لانخفاضها في الأسواق المجاورة!

أتفق معهم أن الغلاء لدينا قد وصل حداً مزعجاً، وشكّل ضغطاً على ميزانيات العديد من الأُسَر، وكَثُرَت المقارنات بين أسعار السلع لدينا وبين أسعارها في الدول الخليجية المجاورة ودوماً تكون لدينا الأغلى، الأمر الذي يجعل فرحة الكثيرين بدخول أمازون للسوق «فَرَجاً» و «رد صاع» للتجار الذين أذاقوا الناس شتى أنواع المرارات بعد أن كسدت بضائعهم الغالية في مقابل ارتفاع المشتريات من أمازون وذراعها في المنطقة «سوق.كم» وبأسعار بمتناول الجميع.

 

السؤال الذي يطرح نفسه: هل يُعالَج الخطأ بخطأ آخر؟ هل اكتساح أمازون لأسواقنا هو الحل لمواجهة جشع التجار لدينا؟ في رأيي المتواضع «لا»، لكن ذاك لا يعني معالجة المشكلة بسطحية دون استئصال جذور المشكلة، فوزارة الاقتصاد وغرف التجارة والدوائر الحكومية المختصة وجمعيات حماية المستهلك لا بد أن تتحمّل مسؤولياتها لكبح جماح الأسعار، فانتظار أن تحلّ المشكلة نفسها بنفسها هو نوع من الجنون، ومالم تتدخّل هذه المؤسسات وإلا فإننا قريباً سنشهد سقوط كبار السوق وصغاره أمام أمازون التي لن ترحم أحداً، عندها وعندما يخرج المنافسون من الساحة سنرى وجه أمازون القبيح!

إنّ أمازون تبدو مؤمنةً بفلسفة أنّ «الرابح يأخذ كل شئ»، وهي تُنهي وجود أي منافس لها إمّا بإخراجه من السوق أو شرائه لتبقى الوحيدة أمام المستهلكين، فضلاً عن غلق الباب تماماً في وجه أي قادمٍ جديد، وهذا ما صرّح به ريد هاستنغز رئيس شركة Netflix، وهي شركة قيمتها 65 مليار دولار ولديها 100 مليون مشترك، في مقابلة مع موقع Recode ورفضه لأسلوب جيف بيزوس، رئيس أمازون، والقائم على استراتيجية: «السيطرة على العالم»، وإذا كان مايكل بورتر في كتابه What is strategy? يؤكد أن جوهر الاستراتيجية هو في اختيار ما لا يجب أن تفعله، وبأنّ الميزة التنافسية القابلة للاستمرار تقوم على المفاضلات بين الخيارات المطروحة لاختيار أنسبها، فإن بيزوس وشركته يريدون أخذ كل الخيارات والتحكم بكل شئ تقريباً!

قبل أيام قدّمت أمازون طلباً لبراءة اختراع لتمكين منتجها Alexa وهو المساعد الصوتي المرفق بأكثر أجهزتها للكشف عن الحالات الجسدية المرضية مثل التهاب الحلق والسعال والحالات النفسية مثل المشاعر الحزينة أو المتغيرة من خلال المدخلات الصوتية ثم اقتراح الأدوية والعقاقير المناسبة للعلاج في تمادٍ جديد للسيطرة حتى على حياة الإنسان فضلاً عن وجود كل معلوماته تقريباً في خوادمها وقاعدة بياناتها، وقبل أيام أيضاً حصلت على عقود جديدة مع «البيت الأبيض» لتضاف لعقودها مع وكالة الاستخبارات المركزية CIA الأمر الذي يثير الكثير من الارتياب حول هذه الشركة، ومَن يقف وراءها فعلاً وما الذي تهدف له: هل هي هيمنة أسواق أم وجه جديد لاستعمار اقتصادي لا يماثله شئ في القبح!

جميعنا ضد جشع التجار لدينا على حساب الناس، لكن لا بد أن يتحرك أحد لحل المشكلة بطرق لا يكون منها فتح الأبواب على مصارعها لشركة بيزوس ومن يوجهها في الخفاء، نحن لا نريد أن نكون كأصحاب الحقول المحيطة بغرناطة الهاربين من سياط ضرائب بني الأحمر إلى سيوف القشتاليين!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المشكلة لا تُحلّ بمشكلة أكبر المشكلة لا تُحلّ بمشكلة أكبر



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - صوت الإمارات
مع تراجع الألوان الصاخبة في بعض اختيارات الموضة، يبرز تنسيق الأبيض والأسود كأحد أكثر الأساليب أناقة وثباتاً عبر المواسم، حيث يجمع بين البساطة والرقي في آن واحد. هذا المزيج الكلاسيكي لا يفقد جاذبيته، بل يتجدد بأساليب عصرية تناسب الإطلالات اليومية والمسائية، وقد برزت الفاشينيستا ديما الأسدي كواحدة من أبرز من اعتمدن هذا التوجه مؤخراً، مقدمة تنسيقات متنوعة تعكس ذوقاً راقياً يجمع بين الهدوء والتميز. في أحدث ظهور لها، تألقت ديما الأسدي بفستان أسود أنثوي مزين بنقاط البولكا البيضاء، جاء بتصميم كورسيه يحدد الخصر مع ياقة قلب وحمالات عريضة، وانسدل بأسلوب منفوش غني بالثنيات حتى أعلى الكاحل، ونسقت معه حذاء أبيض مدبب وحقيبة يد متناغمة، مع اعتماد تسريحة شعر ويفي منسدلة وأقراط مرصعة دون عقد، لتقدم إطلالة كلاسيكية ناعمة. وفي الإطلالات...المزيد

GMT 02:18 2026 السبت ,25 إبريل / نيسان

قصي خولي يكشف تعرضه لتهديد بسحب جنسيته
 صوت الإمارات - قصي خولي يكشف تعرضه لتهديد بسحب جنسيته

GMT 20:28 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 09:15 2014 الثلاثاء ,23 أيلول / سبتمبر

طقس الأربعاء حار على السواحل الشمالية في القاهرة

GMT 23:44 2020 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

تسريحات شعر هنادي الكندري

GMT 17:46 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

وزيرة الثقافة تكرم أعضاء لجنة تحكيم "القاهرة للشعر"

GMT 05:23 2019 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

صلاح يعود لقيادة هجوم ليفربول أمام نابولي في دوري الأبطال

GMT 01:41 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

سويسرول بالفراولة

GMT 07:05 2019 الخميس ,31 كانون الثاني / يناير

"وست هام" الإنكليزي يطلب التعاقد مع أوليفيه جيرو

GMT 00:20 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

شرطة دبي تكشف تفاصيل عملية "صيد الماسة"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates