رائحة الزمن الأول 2

رائحة الزمن الأول -2-

رائحة الزمن الأول -2-

 صوت الإمارات -

رائحة الزمن الأول 2

ناصر الظاهري
بقلم - ناصر الظاهري

لقد شبعت العين من الأحزان خلال الأعوام المنصرمة، تتابع «شوابنا وعجائزنا»، ونحن نقول لم نشبع منهم بعد، آخرهم بالأمس السيدة الجليلة «عفراء» زوجة الشيخ مجرن، ذلك القاضي الذي كان يضع على عينيه المجهدتين نظارة طبية سميكة، لم يعرفها الأهالي في العين، فجلهم لم يفك حرفاً، ولا عرف قلماً، ولا أتعب عينيه في طلب العلم وسهر الليالي، ثم إن من يضعون النظارات الطبية قليلون في ذاك الوقت، ويعدون على أصابع اليد الواحدة، منهم الدكتور كندي، وعبدالله كشيمات، سائق الـ«شيفرليت» الأحمر المكشوف الذي ارتبط اسمه بمسمى النظارة بالعامية «كشمه»، وكانت مختلفة عن نظارة الشيخ مجرن، حيث كانت غامقة، وتغطي الوجه، واستعمالها كان بمثابة الزينة، واتقاء الهواء الذي يهب من نافذة الـ«شيفرليت» المكشوف.
كان الشيخ مجرن مثالاً للالتزام، والعفوية، وعدم التعصب، وتشديد المسائل على الناس، كان يقربها لفهمهم البسيط، ويصوغها بلهجتهم التي يعرفون، كان مثل الناس لا يتميز عنهم بلبس، أو بمظهر، أو علامة، شأن رجال الدين اليوم، كان يرتدي ثوباً خفيفاً أبيض، وغترة مرددة كيفما كان على رأسه، وحين يشتد علينا البرد يتدثر بصديري، وقلما كان يضع عقالاً على رأسه، كان غاية في البساطة، وهدوء الحال، تماماً مثل مشيته التي تشبه سير الظل البارد، لا مثل وقع الأقدام الحافية التي تدك في الحارة، ولا تلك الخفوف التي كانت ترد الفلج قبل أن ينسرب إلى العامد وقت الضحوي.
كان خفيف اللحم، نحيف البُنية، عليه سيماء العارفين، وصبر الورّاقين والخطاطين، لقد ظل على تلك الهيئة، لا تختلف صورة الذاكرة القديمة، عن صورة اليوم في العمر المتأخر، رغم كل مسافات العمر الذي تخطت المائة بعشر سنين، وانحنى الكتف قليلاً، وما عاد يمشي مشواره اليومي، وغادر إلى مكان آخر من مدينة العين التي كان يعرفها مثل كفه، تماماً مثلما غاب صديقه وجاره أحمد المهيري الذي كان يجسد الطهارة والصلاح، والكلام القليل، كان وضيء الوجه سمحاً مثل جاره الشيخ مجرن الذي كان مقصد الناس حتى ولو احتاجوا لمشورة دنيوية، لا دينية، كان محل ثقتهم، ومصدر استحسانهم، لا ينفّر، قدر ما كان يبشّر، يسعى الناس له، فيسعى لهم بالخير والمودة، وطيبة الإنسان حين يرفعه العلم، فيكبر في عيون الجميع.
تذكرت الوقت الذي انقضى، والناس الطيبين الذين يهزنا وداعهم، وهي حكاية من حكايات أناسنا الأولين، وكيف كانوا يسيرون على الهُدى، والصراط المستقيم، كانوا مبشرين بالنعيم، ومنذرين بالتي هي أحسن، يمشون بيننا بالبر والإحسان، لا يختلفون عن الناس، ولا يتمايزون، لا يحتكرون الجنة لهم، ولا يتوعدون الآخرين بالنار، الدين في المعاملة، والدعاء لا يسد له باب، يمرون على «البانياني» الذي يصنع أكياس الورق في جانب العين، ويسلمون عليه، وقد يسألون عن ابنته المريضة، يتعاملون مع صاحب الدكان القادم من بر فارس، بالمبادلة والمقايضة والسلف والدَّين، ولا يعرفون دِينه، ولا يهمهم إن كان يصلي على «قحف أو تربة» من كربلاء، والأجنبي كانوا فقط ينعتونه بالأحمر، كفكاهة اجتماعية، ولا يعنون الكافر، والملحد، ويتقاسمون اللقمة معه إن حلّ ضيفاً، يمكنهم أن «يهزبوا» ولد الجيران، لأنه خالف طبع الرجال، لكنهم لا يتبرأون منه، المجتمع هو أناسهم، والناس هم أهلهم، ولاؤهم للوطن، وحاكم الدار، هم الناصحون للصلاح والفلاح، ولا يرهبون الناس، ولا يجيّشونهم لمحاربة الأهل والعباد والبلاد بغية رغبات الشيطان. 
كان الشيخ مجرن مثالاً لمطاوعة الأمس النقيّين، ومثلما أحب العين، ظلت العين محتفظة بكل تفاصيله، وجميل أشيائه، وعطر عطائه، وبخط سيرته، ووئيد سيره الذي كان يشبه سير الظل البارد باتجاه نخيل لها رائحة الناس الأولين، وبالأمس لحقت به مخلفته السيدة الفاضلة عفراء بنت عبدالله المري، علّ لقاءً يجمعهما في ظلال النعيم، مثلما عاشا في دنياهما المليئة بالخير بهما، وبأعمالهما، وبدعاء الناس الأولين الطيبين الذين حين يحبون أحداً يضعونه على رؤوس عمائمهم، ويَفْدونه بماء «العين».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رائحة الزمن الأول 2 رائحة الزمن الأول 2



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

النجمات العربيات يخطفن الأنظار بإطلالات تراثية في مهرجان فينيسيا

فينيسيا - صوت الإمارات
شهدت السجادة الحمراء لفعاليات مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الـ83 حضوراً لافتاً للنجمات والمشاهير العرب وأصحاب الأصول العربية، اللاتي تألقن بتصاميم جمعت بين الفخامة والعصرية إلى جانب الأزياء التراثية. وكان من أبرز الإطلالات ظهور المؤثرة مريم محمد بثوب فاخر مستوحى من التراث الإماراتي باللون الأسود المطرز بالخرز والشراشيب مع مجوهرات ذهبية تقليدية. بينما تألقت الإعلامية ريا أبي راشد بفستان أبيض مطرز، وآخر فضي بأسلوب الكاب، إلى جانب فستان عنابي بياقة كاشفة للأكتاف وشال طويل. كما ظهرت الفنانة يارا السكري بإطلالتين لافتتين؛ الأولى بفستان عاجي من الدانتيل وياقة من الفرو، والثانية بفستان أسود مطرز بالريش والخرز. وتألقت المؤثرة زينب البلوشي بفستان عاجي محدد للقوام، بينما اختارت المخرجة التونسية كوثر بن هنية فستان...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 17:29 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أمامك فرص مهنية جديدة غير معلنة

GMT 08:53 2020 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

ما كنت تتوقعه من الشريك لن يتحقق مئة في المئة

GMT 01:32 2018 الثلاثاء ,27 آذار/ مارس

عمرو يوسف وصبا مبارك يصوران "طايع" فى سقارة

GMT 15:26 2017 الخميس ,28 كانون الأول / ديسمبر

ليلى علوي سعيدة بتكريم الفنان سمير صبري لوالدتها

GMT 00:39 2019 الإثنين ,08 إبريل / نيسان

الويلزي غاريث بيل يضع ريال مدريد في أزمة كبيرة

GMT 13:51 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

مصر تُطالب لندن باستئناف الرحلات إلى شرم الشيخ

GMT 23:14 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

خطة الحكومة في هيكلة قطاع الأعمال العام
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates