نعم نحن نحقد ونتخيّل

نعم... نحن نحقد ونتخيّل!

نعم... نحن نحقد ونتخيّل!

 صوت الإمارات -

نعم نحن نحقد ونتخيّل

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

في 1968 سحقت دبّابات «حلف وارسو» ما عُرف بـ «ربيع براغ». المثقّفون التشيكوسلوفاكيّون نالوا حصّة الأسد من الاضطهاد الذي رعاه «الأمين العامّ» غوستاف هوسّاك، ومن ورائه «الأمين العامّ» الأكبر ليونيد بريجنيف: سجنٌ، رقابة، طرد من العمل، هجرة، يأس، حالات انتحار وحالات طلاق... محنة المثقّفين التشيكوسلوفاكيّين يومذاك، والتي استمرّت لسنوات طويلة، غذّت أعمالاً أدبيّة وسينمائيّة لا تُحصى. كذلك صارت واحدة من أبرز المِحن التاريخيّة والكلاسيكيّة للمثقّفين والنُخب في عالمنا المعاصر.

لبنان، بسبب الدور البارز للتعليم والإعلام والنشر فيه، وهي كلّها من أفضال الحرّيّة علينا، أوكل إلى بيئته الثقافيّة موقعاً مميّزاً. هذا الموقع لم يتحوّل فحسب مصدراً من مصادر اقتصاده ودخله، بل صار بالفعل معادلاً للوطن نفسه، معنى ثانياً له أو دلالة أخرى على وجوده: من دون قدرة على الشكّ والنقد والاختلاف حول كلّ شيء، أي من دون الحرّيّة، لا يعود هناك مبرّر لهذا الوطن، سيّان أقُسّم أو وُحّد، وسيّان أحُرّر أو احتُلّ. هذه تغدو، في الحالة اللبنانيّة، تفاصيل وزوائد.
اليوم تعاني البيئة الثقافيّة في لبنان حصاراً قاتلاً من الصنف التشيكوسلوفاكيّ، ومثلما حصلت المحنة في براغ بعد سحق ثورتها، تحصل المحنة اللبنانيّة بعد ثورتين مضادّتين في سوريّا وفي لبنان تباعاً، لم يتأدّ عنهما إلاّ مزيد من القتل والفقر والضحالة. ومن يدري، فقد يتدهور حصار المثقّفين والمبدعين اللبنانيّين إلى ما هو أسوأ. ذاك أنّ الإمبراطوريّة المنضبطة التي كانها الاتّحاد السوفياتيّ وكتلته قد تكون أرحم من الإمبراطوريّة المنفلتة وقيد التكوين ذات المركز الإيرانيّ. هناك يتسيّد السلاح فوق مصادر أخرى للقوّة والاستبداد. هنا، كلّ القوّة في السلاح لا يجاوره إلاّ العدم: ففي ظلال الإمبراطوريّة إيّاها، يعيش اللبنانيّون كلّهم انهياراً اقتصاديّاً، واستحالة سياسيّة، وانقطاعاً عن العالم، بعدما ضربتهم جريمة شبه نوويّة في مرفأ بيروت. وهذه كلّها تُعاش كما لو أنّها بلا سبب ولا مُسبّب. في المقابل، ثمّة شيء واحد لا نزال نحظى به اسمه المقاومة، يُفترض أن يكافئنا عن فقد كلّ تلك الأشياء الأخرى!
وبالعودة إلى البيئة الثقافيّة تحديداً، نلاحظ أنّه غير بعيد عن حارة حريك، مثوى لقمان سليم، تُقتل الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام ودور النشر، كلٌّ منها بطريقة، لكنّها كلّها تلفظ أنفاسها في ظلال الإمبراطوريّة السلاحيّة إيّاها. فلهذه الأخيرة في كلّ واحدة من عمليّات القتل دورٌ، يزيد أو ينقص، وهو قد يكون مباشراً هنا أو مداوراً هناك.
وسط هذه المحنة، ووسط العراء الكامل من كلّ قانون ومساءلة، بدأ مطلب «الحماية الدوليّة» يتردّد في لبنان مصحوباً بضعف الثقة بإمكان تلبيته، ما يضاعف الألم ويضفي عليه مسحة من المرارة.
إعدام لقمان سليم حرّك ذاك المطلب الذي تداولته بيئة المثقّفين والصحافيّين والكتّاب، فأضافته إلى مطالب سابقة كالتحييد والتدويل، وقبلهما المحكمة الدوليّة. ذاك أنّ الشعور الطاغي هو أنّ ما هو محلّيّ لا يحمي: الدولة وقانونها وجهازها القضائيّ فعلوا كلّ ما يلزم لترسيخ القناعة بفكرة كهذه. السوابق أكثر من أن تُحصى.
لقد بات المؤكّد لكثيرين أنّ الحلّ، إذا كان من حلّ، مصدره الخارج حصراً. وهو إن لم يأتِ الآن، ففي غد ما قد يأتي.
وإبّان انتظارهم ذاك الغد، «خان» مثقّفو تشيكوسلوفاكيا «وطن الإشتراكيّة»، دفاعاً عن وطن حرّ بات يتعادل مع ثقافة حرّة. «خانوه» إمّا بالهجرة لمن استطاع أن يهاجر، أو بالنوايا لمن لم يستطع. فالذين ألقي بهم في السجن أو في المصحّ أو في البطالة راحوا يتفنّنون في تخيّل وطن آخر تسوده الحرّيّة ويصنعه قرار التشيكوسلوفاكيّين، لا قرار المركز الأبويّ في موسكو. بعد عشرين سنة سقط ذاك المركز واستعاد أولئك «الخونة» وطنهم وحرّيّتهم. وكثيرون من مثقّفي لبنان اليوم «يخونون» هذه الوطنيّة الخرقاء والمجرمة إمّا بالهجرة، أو بتمنّي الهجرة، ولكنْ أيضاً عبر التفنّن في تخيّل وطن يكون وطناً، تتداعى فيه إمبراطوريّة التخوين وكاتم الصوت.
فالبيئة الثقافيّة تقول اليوم إنّها ليست من عبّاد الوطن حين يغدو الوطن بيتاً للطاعة وعقاباً على الحرّيّة، وليست من عبّاد التحرّر والتحرير حين يغدوان أقصر الطرق إلى التخيير بين العبوديّة والقتل. وفي هذه الغضون تسرح المخيّلات بعيداً، لا يحدّها حدّ من مقدّس زائف ولا فاصل بين داخل وخارج. هنا تخاض المواجهة من أجل الوطن والحرّيّة والثقافة في وقت واحد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نعم نحن نحقد ونتخيّل نعم نحن نحقد ونتخيّل



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 22:38 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الصين تقترب من شحن السيارات الكهربائية في 5 دقائق

GMT 17:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 18:53 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 19:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates