عن العراق المعذّب الذي زاره البابا

عن العراق المعذّب الذي زاره البابا

عن العراق المعذّب الذي زاره البابا

 صوت الإمارات -

عن العراق المعذّب الذي زاره البابا

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

العراق بلد معذّب. قصائده مسكونة بهذا العذاب. أغانيه تنشره وتذيعه. هناك شعور عميق بالذنب يُثقل على نفوس العراقيّين، معطوف على التمدّد الإيرانيّ و«داعش» والميليشيات والفساد والإفقار. وبعيداً من الدور الذي يُنسب إلى خذلان الحسين بن علي ومعركة كربلاء في تأسيس هذا الشعور، يبقى أنّ الزمن الحديث نفسه غنيّ بأسباب الذنب: مَن يُقتل اليوم يُكتشَف غداً أنّه كان ضحيّة ومظلوماً، أمّا الدروب التي تُسلك فغالباً ما تفضي إلى نهايات كئيبة غير التي خُطّط لها مع بدء المسيرة.
الشعور بالذنب قد تعبّر عنه كتلة سكّانيّة في هذا الطور، وكتلة أخرى في طور آخر، إلاّ أنّ حضوره الطاغي يبقى واحداً من العناصر الصانعة لسياسة العراق واجتماعه، أو بالأحرى لضعف هذين السياسة والاجتماع.
لنراجع التاريخ قليلاً:
الضبّاط العثمانيّون الذين انحازوا إلى ثورة الهاشميّين في 1916 وجدوا أنفسهم يقاتلون الألمان الذين درّبوهم، جنباً إلى جنب البريطانيّين الذين تربّوا على كرههم. بعد ذاك، شارك هؤلاء الضبّاطُ الرسميّين الإنجليز حكم دمشق لفترة قصيرة، ثمّ حكم بغداد لفترة طويلة يرى البعض أنّها امتدّت حتّى 1958.
الذين أعلنوا «ثورة العشرين» في الوسط والجنوب انتبهوا فجأة، مع انتهاء الثورة، إلى أنّهم لم يؤذوا إلاّ أنفسهم. لقد أُبعدوا عن القرار السياسيّ واستمرّ إبعادهم حتّى 2003.
في 1941 كان بوغروم «الفرهود» الذي أُنزل بيهود العراق. بعده انطلقت العمليّة التي أفرغت ذاك البلد من يهوده، بعدما شكّلوا أكثر من ربع سكّان بغداد في عشرينيّات القرن الماضي. اليوم هناك حنين معلن، في الكتابة والمذكّرات والسينما، إلى يهود العراق و«أيّامهم».
العقود التالية شقَّت للمأساة طُرقاً أعرض. في 1958 كانت المذبحة التي حلّت بالعائلة المالكة وصبغت بالدم وجه الجمهوريّة الوليدة. في 1963 وبدمويّة مُفرطة، أسقط البعثيّون عبد الكريم قاسم ثمّ أعدموه. منذ 1968 والنظام يورّط أعداداً من العراقييّين في إيلام عراقيّين آخرين. حروب صدّام تأدّى عنها موت كثيرين من مواطنيه وكثيرين من سواهم. إعدامه فجر يوم عيد الأضحى عام 2006 والحرب الأهليّة في العام نفسه كانا مصنعين سخيّين لمشاعر الذنب.
كلّ واحد من تلك الأحداث المفصليّة كان يُدمي، عند هذا الفريق أو ذاك، قلوباً كثيرة. واليوم، بعض العراقيّين يبكون فيصل الأوّل والعائلة الهاشميّة. بعضهم يبكون قاسم وبعضهم يبكون صدّام، وأكثر منهم من يبكون ضحايا صدّام وحروبه.
وفضلاً عن البكاء على اليهود، هناك البكاء على الكرد أو على المسيحيّين. ففي تلك الغضون لم يتوقّف قتل الكرد الذي دُشّنت به ولادة العراق الحديث: في 1920 نشأ البلد بُعيد القضاء على انتفاضة محمود الحفيد. الطلب على الدم الكرديّ لم يتوقّف مذّاك.
أمّا المسيحيّون، الذين جاء البابا فرنسيس لتعزيتهم ورفع معنويّاتهم، فتاريخ ألمهم في العصر الحديث يبدأ مع مذبحة الأشوريّين عام 1933 ليجد تتويجه مع «داعش». عدد مَن بقي منهم في العراق انخفض من مليون ونصف المليون مطالع هذا القرن إلى ما بين 300 و400 ألف نسمة اليوم.
هذا التاريخ الذي يسقيه الدم هو الذي حضر البابا فرنسيس لتهدئته. لكنْ هل يستطيع البابا؟
في 2003، حين أسقط الأميركيّون صدّام حسين، بدا للبعض أنّ فرصة نشأت لإنهاء تاريخ من العنف الدمويّ ووضع حدّ لمشاعر الذنب ذات المصادر المتعدّدة. امتلاك العراقيّين لعراقهم في ظلّ حياة ديمقراطيّة لاح في الأفق.
التطوّرات اللاحقة خطّأت أصحاب هذا التقدير: أصحاب حصّة الأسد في السلطة الجديدة وهبوا العراق لإيران في ظلّ انسحاب أميركيّ متدرّج. لقد غلّبوا الطائفيّ على الوطنيّ مقلّدين أسلافهم في السلطة بعد تغيير الأدوار. وكلّما قويت إيران قويت «داعش» أو ما يعادلها، وقُتل مسيحيّون وغير مسيحيّين أكثر. عند ذاك تتعالى أصوات الداعين إلى حضور إيرانيّ أقوى في العراق، يضمن العراقيّين في مواجهة «داعش»، وهكذا دواليك...
تلك الهديّة العظيمة الممنوحة لإيران وما انجرّ وينجرّ عنها قد تتحوّل، في غد ما، سبباً لشعور بالذنب يتجاوز كلّ ما سبقه من صنف المشاعر هذه.
أمّا زيارة البابا فكونها محاطة بهذا المناخ هو سبب القلق عليها وعلى نتائجها. ذاك أنّ التبشير بالمحبّة بين كارهين وطامعين مرشّح أن يبقى تبشيراً محضاً، ومثله الدعوة إلى سلام وسط محاربين. والحال أنّ المحبّة والسلام المُقاتلَين هما وحدهما ما ينقذ العراق من آلامه ومن مشاعر الذنب التي ترتّبها تلك الآلام.
البابا فرنسيس بالطبع لا يقاتل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن العراق المعذّب الذي زاره البابا عن العراق المعذّب الذي زاره البابا



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 23:23 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

طريقة تحضير كيك القهوة بطبقات كريمية غنية

GMT 03:33 2020 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

تعرف علي أفضل طرق تعقيم الكنب

GMT 11:28 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

غادة عادل تبدأ تصوير مشاهدها في فيلم "العفريت"

GMT 00:07 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هيفاء وهبي أصبحت مادة إعلامية خصبة بعد أزمة "ثانية واحدة"

GMT 04:26 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور الزهور لإطلالة أنثوية

GMT 07:19 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

"بيتكوين" تسجل أكبر انخفاض شهري لها خلال 7 سنوات

GMT 08:22 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

بريدراج مياتوفيتش يُؤكّد أنّ إيسكو تحوَّل إلى لا شيء

GMT 02:26 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

عسكر يستقبل شويطر وشرفي ويؤكد اهتمام الأولمبية البحرينية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates