الاستشراق عند الفكر الغربي مزيج من محصلة تراكمات ثقافية ومعرفية
آخر تحديث 11:16:06 بتوقيت أبوظبي
 صوت الإمارات -

ميدان من المعرفة قدم نفسه في القرن التاسع عشر

الاستشراق عند الفكر الغربي مزيج من محصلة تراكمات ثقافية ومعرفية

 صوت الإمارات -

 صوت الإمارات - الاستشراق عند الفكر الغربي مزيج من محصلة تراكمات ثقافية ومعرفية

المعرفة الغربية الذي أطلقت علي محمد أركون اسم الإسلاميات الكلاسيكية
أبو ظبي ـ سعيد المهيري

بدأ الاستشراق - بما هو ميدان من ميادين المعرفة في الثقافة الغربية - في تقديم نفسه إلى العالم في القرن التاسع عشر، بعد أن نضجت الشروط الموضوعية والذاتية لميلاده وانطلاقته . ولقد كان "الشرق"، ومازال، موضوعه ومبرر قيامه . وهذا كناية عن عالم جغرافي وحضاري وثقافي وديني مختلف: اتصلت به أوروبا، تاريخيا، من خلال الحروب والتجارة والتبادل الثقافي، وكان لها مع بعضه - في شرق المتوسط وجنوبه - مشتركات دينية (في أصولها التوحيدية على الأقل) .

ويشمل هذا عالم الإسلام، على ضفاف المتوسط وغرب آسيا وشمالها ووسطها، مثلما يشمل عالم الشرق الأقصى (الهند والصين واليابان وكوريا وفيتنام . .) ولكن لا يعنينا من هذا الاستشراق إلا ما كان له صلة في المجال العربي الإسلامي: الحضاري والثقافي والديني، أي ذلك القطاع من المعرفة الغربية الذي أطلقت علي محمد أركون اسم الإسلاميات الكلاسيكية .

الشروط التي نضجت لتستولد ظاهرة الاستشراق في الثقافة الغربية، الحديثة والمعاصرة، مزيج من محصلة تراكمات ثقافية ومعرفية في الفكر الغربي، ومن مؤسسات ثقافية نشأت في ركاب اهتمام السياسات الأوروبية ببلدان الشرق، ومن حملات كولونيالية غربية على تلك البلدان استدخل الاستشراق ليكون في جملة أدواتها .

1- الخبرة المعرفية بالشرق في مطالع القرن التاسع عشر - حيث بدأت تظهر الدراسات الأولى للمستشرقين - كانت منظومة كبيرة من المعارف بعوالم الشرق: قديمه والحديث، قد تكونت في الفكر الأوروبي - وعلى مدى قرون عدة - من موارد مختلفة من مساجلات اللاهوتيين المسيحيين في أوروبا الوسطى مع موضوعات الإسلام القرآنية، وسيرة النبي وموقفه وسياساته، وفكر مفكري الإسلام من فقهاء وعلماء كلام، ومن الكتابات التبجيلية للفلاسفة الأوروبيين عن الفلسفة والعلم العربيين، وعن دور العرب في نقل الفلسفة الإغريقية إلى أوروبا وشرح منظوماتها الأفلاطونية والأرسطية، ومن الترجمات العديدة التي نقلت القرآن، وبعض مصادر الأدب والفكر، إلى اللاتينية ابتداء، ثم إلى اللغات القومية الأوروبية الحديثة، ومن النقد الذي دشنه فكر الأنوار للأديان ومنه نقده الدين الإسلامي (فولتير مثالاً)، ثم من الرومانسية الألمانية التي اعتنت بسحر الشرق وتراثه الأدبي، فترجمت منه ونسخت على منواله، وأخيرا، من أدب الرحالة الأوروبيين الذين دونوا رحلاتهم إلى المشرق العربي وقدموا عنه أوفى الإفادات والمعلومات التفصيلية: عن الأفكار والعادات والاعتقادات والقيم . . إلخ .

لم يخرج مستشرقو القرن التاسع عشر، إذا، من لا شيء: خرجوا من أحشاء هذا التراث الغزير من الكتابات الأوروبية، الوسطى والحديثة، عن الإسلام وعوالمه التاريخية والحضارية والدينية والفكرية والأدبية .

انشد اهتمامهم إلى ذلك التراث من اهتمام أسلافهم به، وتكون وعيهم للشرق (العربي الإسلامي) في نطاقه لتمتد مساحة ذلك الوعي امتدادا حين بدؤوا يتصلون بمصادر الفكر الإسلامي اتصالاً مباشراً، ومن خلال لغاته . وليس من شك في أن معظم ما انتهى إلى مستشرقي القرن التاسع عشر من كتابات أسلافهم (الأوروبيين) عن الإسلام وتاريخه وتراثه، افتقر إلى الدقة والموضوعية - إما لضعف الصلة بالمصادر، أو لانتصاب الحاجز اللغوي، أو للوقوع تحت تأثير سلطة الصور النمطية التي تكونت عن الإسلام أثناء الحروب الصليبية وحروب الأندلس والمساجلات اللاهوتية بين الفريقين المسيحي والمسلم - إلا أن الذي لا يداخلنا شك فيه (هو) أن معرفة عميقة بالإسلام بدأت في التكون والاتساع منذ القرن الثامن عشر، في أوروبا عهد الأنوار، وأن بعض مفكريها - مثل هيغل - تفردوا بنظرة إلى تاريخ الإسلام أوسع نطاقاً حتى ممن أتوا بعدهم من الفلاسفة والمفكرين . والراجح أن يكون لهذه اللحظة الفكرية العميقة، من الوعي الأوروبي الحديث للإسلام، أثر كبير في صقل وعي المستشرقين الأوائل .

من هذه الخبرة المعرفية المتراكمة تشكلت الهواجس الفكرية للمستشرقين الأوائل، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتهيأت الشروط المعرفية لتأسيس ميدان جديد، ومتخصص، يكون الشرق: تاريخاً وثقافة، موضوعا له تتكرس جهود باحثين مختصين لدراسته في النطاقات المختلفة الجامعية - خاصة - والبحثية الفردية الحرة، وتاليا - في نطاقات المؤسسات العلمية المهتمة بدراسات الشرق .

2- المؤسسات الاستشراقية: ونعني بها المدارس، والمعاهد، والكراسي الجامعية، والمؤتمرات العلمية التي كان موضوعها الدراسات الإسلامية . وهذه المؤسسات لها تاريخ سابق في الزمان للقرن التاسع عشر، خاصة ما تعلق منها بالكراسي الجامعية المكرسة للغة العربية وآدابها، أو للتاريخ الإسلامي، أو للفكر الإسلامي، التي بدأ إحداثها في كبرى الجامعات الأوروبية منذ القرن السادس عشر، وغشيتها أجيال من الطلاب أصبح لبعضها المتأخر أدوار في الأجهزة الدبلوماسية - فضلا عن الجامعات والمعاهد - للبلدان الأوروبية . غير أن المأسسة العلمية التي حصلت، في القرن التاسع، للعمل الاستشراقي أطلقت فيه ايقاعا مختلفا عن ذي قبل، ووفرت له من موارد الاشتغال وظروفه ما أتاح له أن ينجب ميدانا دراسيا جديدا جاذبا لكتلة واسعة من الطلبة والباحثين، ومستدرجا طلبا عليه زائدا من الدولة والمؤسسة الكولونيالية . يمكننا، في هذا المعرض، تقديم جردة سريعة لأهم تلك الظواهر المؤسسية الاستشراقية التي نشأت على امتداد القرن التاسع عشر، واستمر مفعول تأثيرها حتى القرن العشرين الماضي .

 

emiratesvoice
emiratesvoice

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاستشراق عند الفكر الغربي مزيج من محصلة تراكمات ثقافية ومعرفية الاستشراق عند الفكر الغربي مزيج من محصلة تراكمات ثقافية ومعرفية



GMT 23:42 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

فرنسا ترفع أسعار دخول متحف اللوفر للسياح غير الأوروبيين

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش - صوت الإمارات
شهدت مدينة مراكش أجواءً استثنائية من الفخامة والأناقة خلال فعاليات “أسبوع القفطان المغربي” في دورته السادسة والعشرين، والذي احتفى بجمال القفطان المغربي باعتباره أحد أبرز رموز التراث والأزياء التقليدية الراقية. وحرصت العديد من النجمات والإعلاميات العربيات على الظهور بإطلالات مستوحاة من روح القفطان المغربي الأصيل، بتصاميم مزجت بين الحرفية التقليدية واللمسات العصرية. وتألقت الفنانة غادة عبدالرازق بقفطان باللون الأخضر الزمردي تميز بتطريزات ذهبية كثيفة مستوحاة من الطابع التراثي المغربي، مع حزام مطرز أبرز أناقة التصميم، واختارت تنسيق أقراط مرصعة بأحجار الزمرد مع تسريحة شعر بسيطة على شكل ذيل حصان مرتفع. كما ظهرت مريم الأبيض بإطلالة مشرقة بقفطان أصفر لافت، جمع بين القماش الانسيابي والتفاصيل المعدنية اللامعة، وزُين ب...المزيد

GMT 12:22 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تعاني من ظروف مخيّبة للآمال

GMT 23:20 2019 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

“آيفون” تتخلى رسميا عن كاميرات “البوتغاز الثلاثي”

GMT 12:18 2013 الخميس ,07 آذار/ مارس

" صدرو "موعدي الساعة ثمان" لفارس الروضان

GMT 07:33 2014 الخميس ,09 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس كينيا يمثل أمام الجنائية الدولية

GMT 15:54 2017 الأحد ,29 تشرين الأول / أكتوبر

صانع المجوهرات صموئيل يطلق مجموعته الجديدة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates