امتدت موجة الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا إلى أحد أبرز معالمها الثقافية والسياحية، بعدما أغلق متظاهرون مداخل متحف اللوفر في العاصمة باريس، اليوم الإثنين 19 أكتوبر 2026، ما أدى إلى تأخر فتح أبوابه أمام الزوار في موعده المعتاد، في تطور يعكس اتساع نطاق التحركات الاحتجاجية واستمرار الضغوط الأمنية والاجتماعية التي تواجهها السلطات الفرنسية منذ منتصف سبتمبر الماضي.
وتجمع محتجون أمام المتحف في محاولة لتعطيل الدخول إليه، فيما أُغلقت طرق الوصول إلى بعض المداخل، وتعطلت حركة الزوار في محيط الهرم الزجاجي الشهير، الذي يُعد المدخل الرئيسي لأحد أكثر المتاحف استقطابًا للسياح في العالم. وجاءت هذه التحركات في إطار موجة من الاحتجاجات التي امتدت إلى عدد من المدن الفرنسية، وشهدت تداخلًا بين المسيرات السلمية وأعمال العنف والتخريب.
وقاد التحرك أمام متحف اللوفر طلاب من مدرسة اللوفر، بمشاركة طلاب من مدارس الفنون، تعبيرًا عن تضامنهم مع احتجاجات طلاب المدارس الثانوية، ورفضًا لما وصفوه بـ«القمع البوليسي». ورفع المحتجون لافتة كتبوا عليها: «نحن فخورون بالإعلان أننا نغلق أكبر متحف في العالم»، في خطوة نقلت التحركات الاحتجاجية إلى قلب أحد أهم المواقع الثقافية في باريس.
وكانت إدارة متحف اللوفر قد أعلنت في وقت سابق فرض قيود على الدخول بالتزامن مع المظاهرات التي تشهدها العاصمة الفرنسية، مع السماح لحاملي التذاكر بالدخول عبر مداخل محددة، قبل أن تؤثر التحركات الجديدة على فتح المتحف في موعده المعتاد، وسط حالة من الاضطراب في محيطه.
وتأتي الاحتجاجات أمام اللوفر في وقت تشهد فيه فرنسا تصاعدًا في التحركات الشعبية المرتبطة بالغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب الانتقادات الموجهة إلى أساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين. وشهدت مدن عدة، من بينها باريس ومارسيليا، أعمال نهب استهدفت متاجر ومحال تجارية، بينها متاجر لعلامات تجارية فاخرة، وسط تقارير عن تخريب ممتلكات عامة وخاصة ووقوع مواجهات بين مجموعات من المحتجين وقوات الشرطة.
وفي حين شارك مئات الآلاف في مسيرات اتسمت بالسلمية إلى حد كبير في عدد من المدن، شهدت مناطق أخرى أعمال عنف ونهب استهدفت مباني عامة ومركبات ومتاجر، ما وضع الأجهزة الأمنية أمام تحديات متزايدة للحفاظ على النظام العام وحماية الممتلكات، بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات واتساع نطاقها.
وفي تطور يعكس حجم الضغوط الأمنية، أقر وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الإثنين، بأن الشرطة فقدت السيطرة على الوضع في بعض المدن خلال أعمال العنف التي شهدتها البلاد في نهاية الأسبوع. وأشار إلى وجود أوجه قصور في الاستعداد المسبق للأحداث، موضحًا أن أعداد القوات التي جرى نشرها لم تكن كافية للتعامل مع المجموعات المشاركة في أعمال التخريب والنهب.
وأوضح نونيز أن نحو 60 ألفًا من عناصر الشرطة والدرك انتشروا في أنحاء فرنسا يوم السبت، مقارنة بنحو 80 ألف عنصر خلال احتجاجات حركة «السترات الصفراء» في 8 ديسمبر 2018، و89 ألف عنصر خلال تحركات «لنغلق كل شيء» التي شهدتها البلاد العام الماضي.
وفيما يتعلق بأعمال العنف والنهب التي شهدتها باريس يوم الأحد وخلال الليل، أعلن وزير الداخلية توقيف 350 شخصًا، في إطار الإجراءات التي اتخذتها السلطات للتعامل مع الاضطرابات وملاحقة المتورطين في أعمال التخريب والاعتداء على الممتلكات.
من جانبه، أقر وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان بأن السلطات «أخفقت بلا شك» في مواجهة أعمال العنف، مشيرًا إلى وجود خلل في المعلومات الاستخباراتية التي كان من المفترض أن تساعد الأجهزة الأمنية على الاستعداد للأحداث وتقدير حجم المخاطر المحتملة.
وتتزامن هذه التطورات مع أزمة سياسية وأمنية أوسع، بعدما رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، مطالبًا باتخاذ التدابير اللازمة لضمان الشفافية بشأن أوجه القصور في التخطيط والتقييم الاستخباراتي، إلى جانب وضع أساليب عملياتية جديدة للقوات الأمنية للتعامل مع الاحتجاجات.
وتعيد التحركات الأخيرة إلى الأذهان احتجاجات «السترات الصفراء» التي انطلقت عام 2018 على خلفية مطالب اجتماعية واقتصادية، وتحولت آنذاك إلى واحدة من أبرز موجات الاحتجاج في فرنسا خلال السنوات الأخيرة، وسط نقاشات واسعة بشأن تكاليف المعيشة والعدالة الاجتماعية وسياسات الحكومة.
وتضع التطورات الحالية السلطات الفرنسية أمام تحديين متزامنين، يتمثل الأول في احتواء أعمال العنف والنهب وحماية المؤسسات والممتلكات العامة والخاصة، فيما يرتبط الثاني بالتعامل مع المطالب الاجتماعية التي تقف وراء الاحتجاجات، والحد من اتساع رقعة التوتر بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية.
ومع وصول التحركات إلى متحف اللوفر، أحد أبرز رموز الثقافة الفرنسية والوجهات السياحية العالمية، تكتسب الأزمة بُعدًا إضافيًا يتجاوز الشوارع والساحات العامة، لتلقي بظلالها على الأنشطة الثقافية والسياحية في العاصمة باريس، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومة لاتخاذ إجراءات أمنية أكثر فاعلية، بالتوازي مع البحث عن حلول للمطالب التي غذّت موجة الاحتجاجات.
قد يهمك أيضـــــــا :
فرنسا ترفع أسعار دخول متحف اللوفر للسياح غير الأوروبيين
نشطاء بيئة يرشقون لوحة "موناليزا" الشهيرة بالحساء في متحف اللوفر
أرسل تعليقك