اخترقت المنظمة العربية لحقوق الإنسان منطقة عشوائيات مقابر زين العابدين في البحرالأحمر، لتجد مظاهر الإنسانية والتركيبة البدائية لآدميين. ويسكن حوالي 120 أسرة في عشش مصنوعة من الصفيح، لا يمتلكون ما يحتاجونه لممارسة حياة البشر، بينهم المرضى الذينلا يجدون ثمن الدواء، وأبناؤهم في مراحل تعليمية مختلفة، يعملون في مجالات شتى بحثًا عن قوت يومهم، وأقرب حمام إليهم، الحمام الخاص بمسجد زين العابدين، يبعد عنهم ألف متر. ظهر من بين سكان المقابر هؤلاء أفراد يدركون جيدًا أن الرأسمالية لعنة حقيقة، تنفي الوجود الإنساني، يتملكهم شعور بالدونية واللاوجود، بلغ من القساوة عذاب احتمالها، ومن الرضا سخط المؤمنين به، ومن ندرة النعم كفرًا حقيقًا بأن هناك داخل كل هذه الغرف المكيفة فرد واحد يشعر بمعاناتهم.والتقت عضوة لجنة المرأة في المنظمة منال الحسيني، وعضو لجنة التجارة والاقتصاد أحمد العشري مع أسرة الحاج فرج راشد مصطفى راشد، والذي يتخذ من جدران الصاج مأوى لهم، بين المقابر والأموات.وتتكون الأسرة من خمسة أطفال، في أعمار مختلفة، لا يتعدون العشرة أعوام، رحلت والدتهم، وتركت أولادها مع زوجها المريض، ليواجهوا مصيرهم بأنفسهم، لا يعرفون غير لغة الفناء التي تحيط بهم.العم فرج رجل مريض، في العقد الرابع من العمر، تركته زوجته ورحلت، لتتزوج من آخر، وكانت معه المرحومة والدته، التي كانت تبلغ من العمر الثمانين عامًا.المنظمة التقت بأطفال عم فرج، الذين رووا لها عن أحلامهم، التي لا تتعدى السكن الملائم، كما البشر الذين يستحقون الحياة الكريمة، متمنين أن يجدوا  شقة يعيشون فيها، وأن يحصلوا على رعاية صحية، ويتعلموا، ووالدهم يحصل على وظيفة لتوفر عليهم مشقة الحياة.وتقول بنت العم فرج الوسطى "شيماء"، أنها وإخوتها يتخذون المصطبة بين العشة، التي يسكنون فيها، والمدفن المجاور، سريرًا للنوم، ويحدث أن تستيقظ مرارًا لتجد أحد الخارجين عن القانون ينام إلى جوارها، فتصرخ فزعًا، دافعة المجرم إلى الهرب، في حين لا يستطيع والدها العاجز ملاحقته لما به من مرض.ويتدخل في الحديث أخوها محمد، الذي يقول أنهم يعيشون على فتات الخبز أو النصف والربع جنيه، الذي يوزع كصدقة على أرواح الموتى.كريمة محمد عادل، وهي العقد الرابع من عمرها، تعيش أيضًا في منطقة القبور، إنسانة لديها ما لم تصفه يومًا الروايات الخيالية من المحبة والحنان.ولكريمة 9 من الأبناء في أعمار مختلفة، تعيش في المقابر، بين أربع جدران مبنية من فتات الطوب والحجر، لتستر بها على أولادها، تركها زوجها ليلتمس لنفسه حياة أخرى، ولتواجه مصيرها مع أولادها بنفسها.لم يكن لكريمة سوى ابنة واحدة، لكن وفاة أختها وزوجها، أورثتها ثمان أطفال آخرين، تحملت هي مسؤولية رعايتهم.وتقول كريمة أن من أولاد أختها من تزوج، ومنهم من حصل على قسط من التعليم، لكنهم جميعًا تربوا وعاشوا حياتهم في المقابر، وتضيف أنه أحلامها انحسرت في شقة صغيرة تأويها هي وأبناؤها، ليكون لهم نوع من الآدمية، ولتغادر حصار الصمت الذي اكتنفها في وأسرتها، وتعني هنا صمت الأموات، تتمنى أن يكون جيرانها بشر أحياء لتساير الحياة الطبيعية، التي نعرفها، فهي نتاج الأنظمة الفاسدة، والهرع إلى الكرسي الأكبر، الذي ينسي الناس أن "كل راع وكل مسؤول عن رعيته".