واشنطن ـ صوت الإمارات
يختلف تأثير القهوة والكافيين من شخص إلى آخر بصورة ملحوظة؛ فبينما تمنح جرعة من الكافيين بعض الأشخاص شعورًا باليقظة والتركيز والنشاط، قد لا يلاحظ آخرون تأثيرًا واضحًا، بل قد يشعر بعضهم بالنعاس رغم تناول القهوة. ولا يرتبط هذا الاختلاف بكمية الكافيين المستهلكة فقط، وإنما يتأثر بمجموعة من العوامل، من بينها الاختلافات الجينية، وسرعة استقلاب الكافيين في الكبد، والعادات اليومية، وبعض الأدوية، والحمل، ومدى اعتياد الجسم على الكافيين.
ويعد الكافيين من أكثر المواد المنبهة استخدامًا في العالم، ويوجد بصورة طبيعية في القهوة والشاي، كما يدخل في بعض المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة والشوكولاتة، إضافة إلى بعض المكملات الغذائية والرياضية.
وعندما يصل الكافيين إلى الدماغ، فإنه يثبط تأثير مادة الأدينوزين، وهي مادة تتراكم تدريجيًا خلال ساعات اليقظة وتساهم في الشعور بالنعاس والتعب. ولهذا السبب يمكن للكافيين أن يجعل الإنسان يشعر بمزيد من اليقظة والتركيز، لكنه لا يضيف إلى الجسم طاقة بالمعنى الحرفي، وإنما يؤخر الإحساس بالتعب ويقلل الشعور بالنعاس لفترة من الوقت.
ويعد أحد أهم أسباب اختلاف الاستجابة للكافيين سرعة تخلص الجسم منه بعد تناوله. إذ يمتص الكافيين في مجرى الدم ويصل إلى الدماغ بسرعة، بينما يبدأ الكبد في الوقت نفسه بتفكيكه من خلال إنزيمات معينة، قبل أن يتخلص الجسم من نواتجه عن طريق البول.
وتختلف مدة بقاء الكافيين في الجسم بصورة كبيرة بين الأشخاص، لذلك قد يشعر شخص بتأثير كوب واحد من القهوة لعدة ساعات، بينما يتعامل جسم شخص آخر مع الكافيين بصورة أسرع. وهذا يفسر جزئيًا لماذا يستطيع بعض الأشخاص تناول القهوة في المساء دون ملاحظة تأثير واضح، في حين قد يعاني آخرون من الأرق إذا تناولوا الكافيين قبل النوم بساعات.
وتلعب الجينات دورًا مهمًا في تحديد سرعة استقلاب الكافيين، ويرتبط ذلك جزئيًا بجين يعرف باسم CYP1A2، والذي يؤثر في نشاط الإنزيم المسؤول عن تفكيك الكافيين في الكبد. إلا أن الجينات ليست العامل الوحيد المحدد للاستجابة للكافيين، إذ يمكن أن تتأثر سرعة استقلابه أيضًا بعوامل بيئية وسلوكية، إلى جانب بعض الأدوية، وهو ما يجعل تأثير الكافيين مختلفًا بدرجة كبيرة بين الأفراد.
كما يمكن للتدخين أن يؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الكافيين، إذ يحفز بعض إنزيمات الكبد، وبالتالي قد يسرع التخلص من الكافيين. ولهذا قد يلاحظ بعض الأشخاص تغيرًا في تأثير القهوة لديهم بعد الإقلاع عن التدخين، وقد تصبح استجابتهم للكافيين أقوى مع تغير سرعة استقلابه في الجسم.
وفي المقابل، يمكن لبعض الأدوية أن تبطئ استقلاب الكافيين، ما يؤدي إلى بقائه في الجسم لفترة أطول. ومن بين العوامل التي قد تؤثر في ذلك بعض الأدوية الموصوفة طبيًا وحبوب منع الحمل. ولذلك قد يلاحظ الشخص الذي يتناول أدوية بصورة منتظمة تغيرًا في استجابته المعتادة للقهوة أو المشروبات الأخرى التي تحتوي على الكافيين.
كما يغير الحمل طريقة تعامل الجسم مع الكافيين، إذ تحدث خلال هذه الفترة تغيرات هرمونية يمكن أن تؤدي إلى إبطاء عملية استقلابه، وبالتالي قد يبقى الكافيين في الجسم فترة أطول. ولهذا السبب يُنصح بألا تتجاوز الحوامل 200 ملليجرام من الكافيين يوميًا، مع احتساب جميع مصادر الكافيين وليس القهوة فقط.
ومن العوامل التي تفسر اختلاف تأثير القهوة أيضًا الاعتياد على تناول الكافيين. فالأشخاص الذين يستهلكونه بصورة منتظمة يمكن أن يتطور لديهم قدر من التحمل، ومع استمرار تناوله يتكيف الدماغ مع وجوده، وقد يصبح الشخص أقل إحساسًا بالتأثير المنبه الذي كان يشعر به في البداية.
ولهذا قد يبدو كوب القهوة الصباحي بالنسبة إلى شخص معتاد على تناول القهوة مجرد جزء من روتينه اليومي، بينما قد يسبب الكوب نفسه شعورًا قويًا باليقظة لدى شخص لا يتناول الكافيين بصورة منتظمة.
وعند التوقف عن تناول الكافيين لفترة، يمكن أن تتراجع بعض هذه التكيفات، ولذلك قد يكون تأثير أول كوب من القهوة بعد فترة من الانقطاع أكثر وضوحًا لدى بعض الأشخاص.
ولا يعني عدم الشعور بتأثير واضح للقهوة بالضرورة أن الكافيين لا يؤثر في الجسم. فقد يكون الشخص سريع الاستقلاب للكافيين، أو معتادًا عليه بدرجة كبيرة، أو تناول كمية صغيرة نسبيًا منه. كما أن الشعور الذاتي باليقظة لا يعكس دائمًا التأثير الكامل للكافيين على النوم.
فقد ينجح الشخص في النوم بعد تناول القهوة، لكنه لا يحصل بالضرورة على النوم نفسه من حيث المدة أو الجودة التي كان سيحصل عليها من دون تناول الكافيين. ولذلك فإن عدم مواجهة صعوبة واضحة في النوم بعد تناول القهوة لا يعني بالضرورة عدم وجود تأثير للكافيين على النوم.
وتختلف كمية الكافيين بصورة كبيرة بين مشروبات الطاقة والمنتجات المختلفة والعلامات التجارية، إذ قد تحتوي بعض العبوات الصغيرة، التي يبلغ حجمها نحو 250 ملليلترًا، على قرابة 80 ملليجرامًا من الكافيين، إلا أن الكمية الفعلية تختلف من منتج إلى آخر. ولذلك من المهم قراءة الملصق الغذائي لمعرفة كمية الكافيين الموجودة في المنتج، خصوصًا عند استهلاك أكثر من منتج يحتوي على الكافيين خلال اليوم نفسه.
وينصح خبراء النوم عادة بتجنب تناول الكافيين قبل النوم بعدة ساعات، لأن تأثيره قد يمتد إلى مدة النوم وجودته. ولا توجد ساعة واحدة تناسب جميع الأشخاص، نظرًا لاختلاف سرعة استقلاب الكافيين ودرجة حساسية الجسم له.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين ينامون في وقت مبكر، فإن تجنب القهوة والمشروبات الغنية بالكافيين خلال فترة ما بعد الظهر قد يكون خيارًا عمليًا لتقليل احتمال تأثيرها على النوم، خاصة لدى الأشخاص الذين يشعرون بأن الكافيين يبقى فعالًا لديهم لعدة ساعات.
وبالنسبة إلى معظم البالغين، لا يمثل تناول الكافيين باعتدال مشكلة عادة، إلا أن الإفراط في استهلاكه يمكن أن يؤدي إلى عدد من الأعراض، من بينها التوتر والقلق وتسارع ضربات القلب والصداع واضطرابات النوم.
أما حالات التسمم الشديد بالكافيين فهي نادرة، وترتبط بصورة أكبر بتناول كميات كبيرة جدًا من منتجات الكافيين المركزة.
ويظل اختلاف تأثير القهوة من شخص إلى آخر أمرًا طبيعيًا، فالكوب الذي يمنح شخصًا دفعة من التركيز واليقظة قد يكون بالنسبة إلى شخص آخر سببًا في صعوبة النوم أو الشعور بالتوتر، بينما قد لا يشعر شخص ثالث بتأثير واضح. وتحدد مجموعة من العوامل، من بينها الجينات والعادات اليومية والأدوية والتوقيت ودرجة الاعتياد على الكافيين وسرعة استقلابه، الطريقة التي يستجيب بها الجسم للقهوة والكافيين.
قد يهمك أيضـــــــا :
تناول فنجان من القهوة يوميًا قد يدعم صحة الكبد
الاعتدال في شرب القهوة يساعد على الاستفادة من فوائدها الصحية