ربيع فرنسا

ربيع فرنسا!!

ربيع فرنسا!!

 صوت الإمارات -

ربيع فرنسا

محمد صلاح
بقلم: محمد صلاح

لن تسقط الدولة الفرنسية مهما ارتفعت حدة الاحتجاجات على السياسات الاقتصادية للحكم هناك، لأن المجتمع الدولي لن يسمح، ولأن الدولة بالأساس قوية متماسكة وراسخة رغم مشاهد العنف وضراوة الصدامات وكثرة الحرائق التي صاحبت التظاهرات، كما أن الاحتجاجات هدفها تغيير السياسات الاقتصادية وإرغام الحكومة على رفع المعاناة عن المواطن وعدم تحميله أعباءً جديدة. سينتهي الأمر وستخف التظاهرات وستزول آثار الصدامات والحرائق، وسيعود الناس إلى عملهم وستراعي الحكومة في المستقبل أساليب تطوير الاقتصاد وعلاج المعضلات المالية.

لكن بغض النظر عن الأسباب التي دفعت الفرنسيين إلى الاحتجاج والخروج إلى الشوارع والميادين والتظاهر، وحرق إطارات السيارات وتخريب بعض مقار المؤسسات العامة والخاصة والدخول في صدام مع رجال الشرطة، فإن المشاهد التي نقلتها وسائل الإعلام وغطتها المواقع الإلكترونية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي لم تختلف كثيراً عن تلك التي ظلت معبرة عن واقع عربي ضربه ربيع حرّكته أجهزة استخبارات وعملاء ودول استغلت فقر الشعوب وأزماتها الاقتصادية والحياتية والمعيشية وغياب العدل وانتشار الفساد، وسعت إلى إسقاط حكام وتخريب أنظمة، وتفتيت مجتمعات وإعادة رسم خريطة الوطن العربي، أو الشرق الأوسط ومنح جماعات وتنظيمات وميليشيات صكوك الشرعية ودول صغيرة أدواراً كبيرة تفوق حجمها وتاريخها وقدراتها الحقيقية، وتلبية مطامع قوى إقليمية ظلت تحلُم بالقيادة والتوسع والسيطرة فوق جثث ضحايا الاضطرابات وشهداء إرهاب، وجد في ذلك المناخ فرصاً للانتشار والتسرطُّن والانتقال من موقع إلى آخر.

لم يختلف الأمر كثيراً في الشانزليزيه عن ما جرى في شارع محمد محمود في مصر وقت الفوضى وتحت غبار الربيع العربي، حين كانت وسائل إعلام غربية وآلة إعلامية قطرية إخوانية تركية تحرض الجماهير المصرية على تخريب بلدها، وعندما جيّشت جماعات وتنظيمات لجاناً إلكترونية لفبركة تقارير وأخبار تدفع الغضب في عقول الناس لتحركهم دوافع انتقامية ضد بلدهم ومؤسساتهم وجيشهم وشرطتهم!!. لا تستغرب أن تتكرر المشاهد ولو بعد سنوات في أماكن أخرى بعيدة عن شارع محمد محمود القريب من ميدان التحرير، أو أي شارع آخر في أي عاصمة عربية عصف بها الربيع وضربها إعصار الثورات، حتى لو اختلفت نوعية المواطن الفرنسي عن نظيره المصري أو تباينت أسباب الغضب هنا أو هناك! فثقافة العنف صارت سائدة والحدة في التعبير عن الرأي صارت راسخة، والاندفاع والتهور والشطط صار من الأمور الاعتيادية! الآن أدركنا فعلاً أن الفقر وحده لا يحرك مشاعر الغضب، أو أن غياب الحريات كفيل باندفاع الناس إلى الشوارع والميادين لكسر القيود، أو بأن الظلم فقط يجعل مشاعر بعض المواطنين تخرج عن السيطرة، أو أن انتشار الفساد بين الناس يدفعهم إلى ارتكاب حماقات أو قل جرائم، أو أن مواقع التواصل الاجتماعي واللجان الإلكترونية وحدها قادرة على تحريك رياح الربيع المدمر من مكان إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.

رغم تباين المجتمعات والظروف المحيطة، فإن الكائن البشري واحد في أرجاء الدنيا وقابل للتحول نحو العنف، حتى لو لم يقف يوماً في طابور للحصول على الخبز أو انتظر ساعات أمام مخزن لينال حصته من الغاز المدعم. إنها الثقافة التي دافع عنها الغرب واخترعتها أجهزة استخبارات وحرّكتها دول لحماية مصالحها بهدم دول أخرى وتخريب مصالح شعوب أخرى، الثقافة التي صنعت لتبشر بها شعوب العالم الثالث دون أن يدري صانعوها أن طعمها قد يطيب في وقت ما للشعوب الغربية أيضاً. إنها جرائم ارتكبتها وسائل إعلام ومنظمات حقوقية ومراكز بحثية، جعلت شعوب العالم لا تطالع إلا مشاهد القتل والحرق والعنف والفوضى في مجتمعات عربية مصحوبة بإشادات بقوة هذا الشعب في التصدي لشرطة بلاده، وعنفوان هذه الفئة من الجماهير في اقتحام مؤسسات دولتها وتحريبها، وشجاعة هؤلاء الناشطين في سب حكامهم ورموز دولتهم وجسارة هذه الفئة من الشباب في تحملهم النوم في الخيام ليلاً والتصدي لقنابل الغاز صباحاً. وكما انتقلت ثقافة الإرهاب إلى مجتمعات غربية عبر وسائل إعلام مغرضة ومراكز بحثية مخربة ومنظمات حقوقية مرسلة، لم يكن غريباً بعدما جرى تجميل عنف المحتجين وتهور المتظاهرين وحدة الغاضبين أن يصبح التعبير عن الرأي بحرق الإطارات أو الاعتداء على الشرطة أو تخريب الشوارع والميادين. إنها ثقافة من صناعة غربية تم صقلها في دول عربية فاستوردتها الشعوب الغربية مجدداً لتنال شرف مرور الربيع فوق أراضيها!!

نقلا عن الحياة اللندنية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ربيع فرنسا ربيع فرنسا



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates