مشهد الكاميرا الواحدة من حولنا

مشهد الكاميرا الواحدة من حولنا

مشهد الكاميرا الواحدة من حولنا

 صوت الإمارات -

مشهد الكاميرا الواحدة من حولنا

بقلم : سليمان جودة

 

يعرف العالمون بتفاصيل نقل الصورة على الشاشة الصغيرة، أن نقلها ممكن بكاميرا واحدة في حالة، وأنه ممكن بكاميرتين في حالة أخرى، وأنه ممكن بأكثر من كاميرتين في حالة ثالثة.

ولكن الحالة الأولى تظل فريدة من نوعها، لأن الشاشة فيها لا تستطيع استقبال مشهدين في إطار واحد، لا لمشكلة أو عيب في الشاشة، وإنما لأن الكاميرا تظل تتنقل من مشهد إلى مشهد دون الجمع بينهما، فإذا ركزت عدساتها على وجه الضيف في برنامج مثلاً، غاب عن المشاهدين وجه المذيع، فإذا عادت الكاميرا إليه، اختفى منظر الضيف إلى أن تعود إليه الكاميرا نفسها من جديد، وبغير قدرة على جمع المشهدين في كادر واحد أمامنا.

وإذا ما دققنا النظر في منطقتنا العربية فسوف يتبين لنا أنها تعيش منذ فترة أسيرة في قبضة حالة مماثلة لهذه الحالة الأولى، فكأن يداً خفية تمسك كاميرا واحدة للأحداث فيها، وتُحركها من مشهد إلى مشهد على الشاشة ذاتها أمام جمهور المتابعين.

إن غياب صورة الضيف في برنامج الكاميرا الواحدة لا يعني أنه غير موجود ولا أنه انصرف من الاستوديو، أو من اللوكيشن، بلغة أهل التصوير، فهو موجود في مكانه وموضعه لم يغادره، وكل ما حدث أن الكاميرا تحولت عنه، ولذلك، فإنه سرعان ما يُطل علينا نحن مشاهديه من جديد في اللحظة التي تعود فيها كاميرا البرنامج إليه.

شيء من هذا بالضبط تجده في هذه المنطقة من العالم، التي كلما طرأ فيها حدث على سطح الأحداث، بدا الأمر كأنه هو الحدث الوحيد الذي يملأ سماءها أو فضاءها، ولكن الحقيقة أنه هو الذي تحولت إليه كاميرا اليد الخفية في منطقتنا، فإذا مضى زمن طويل أو قصير عادت كاميرا هذه اليد إلى المشهد القديم الذي كانت قد تحولت عنه، والذي كان قد وقع الظن لدينا أنه انقضى ولم يعد له وجود. فالحقيقة في حالة كهذه أنه اختفى عن الأنظار، وهناك فارق جوهري بين أن يكون الشيء قد اختفى وبين أن يكون قد انقضى.

خُذ المشهد السوري مثالاً عندما تحولت إليه الكاميرا الواحدة في اليد الخفية فملأ الشاشات والصفحات، فهو لم يكن من قبل في بؤرة الصفحات والشاشات ولا حتى على هوامشها، ولكنها الكاميرا الواحدة مرةً ثانية التي إذا تحولت عن شيء أحضرت سواه في بؤرة النظر، وبغير أن يكون الشيء الذي تحولت عنه قد راح إلى حيث لا يعود الذاهبون.

ففي لحظة اتجهت كل العيون إلى حلب، حيث الجماعات المسلحة كانت تهاجمها وتفرض السيطرة على مواقع استراتيجية فيها. وفي لحظة تالية لهذه اللحظة الأولى، كانت مدينة إدلب تنافس حلب في جذب الانتباه. وفي لحظة ثالثة، جاءت حماة لتزاحم حضور حلب وإدلب معاً. وفي الحالات الثلاث كانت عيون الكاميرا الواحدة مفتوحة عن آخرها على موقع سوريا فوق الخريطة، وكانت جوانب هذه الخريطة تضيء كما لم يحدث أن أضاءت منذ سنين!

قبل اللحظات الثلاث كانت الكاميرا هناك في لبنان، وكانت الهدنة التي جرى الاتفاق عليها كأنها إشارة إلى أن العدسات على موعد مرتقب للانتقال إلى مشهد آخر.

ولم يكن هذا يعني أن المشهد في لبنان قد مضى وانقضى، بل بالعكس كان وجوده يتفاعل، وكانت خروقات الطرف الإسرائيلي لاتفاق الهدنة تتواصل، وكان الطرف اللبناني يشكو من الخرق المتكرر ويُحذر من عواقبه، ولكنَّ الوعي العام كله كان هناك مع الكاميرا في مشهدها الجديد، والانتباه كله كان متجهاً إلى هناك يتابع ولا يكاد يصدق.

ومن قبل المشهد في لبنان كان هناك مشهد أول في قطاع غزة، وهو مشهد استأثر بالكاميرا بمفرده لعام وبعض العام، فلما تحولت عدساتها عنه جزئياً إلى لبنان، بدا كأنه قد مضت أيامه وأحداثه، ولم يكن هذا صحيحاً ولا دقيقاً بحال.

نقرأ مثلاً في تحذير صادر عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) أن إسرائيل تمارس عمليات إبادة لعائلات بكاملها في شمال القطاع، فلا نكاد نصدق أن يكون هذا قائماً وجارياً في وقت تنصرف فيه الكاميرا بكل زواياها إلى حيث حلب، وإلى حيث إدلب، وإلى حيث حماة، وإلى حيث لا مكان للقطاع ولا لعمليات الإبادة الكاملة التي تجري فيه. ونقرأ عن الخرق المتكرر للهدنة في لبنان، فلا تملك إلا العجب من ابتعاد الكاميرا عمَّا كانت إلى أيام معدودة على أصابع اليدين لا تتابع سواه.

في حالة برنامج الكاميرا الواحدة على الشاشة يحتاج الأمر إلى مصور محترف يحرك الكاميرا في يده، حتى لا يشعر المشاهد بفجوات في أثناء الانتقال من مشهد إلى مشهد، وحتى ينقل الجمهور من مشهد إلى مشهد آخر يليه بغير أن يقع في فراغ.

وفي حالة كاميرا اليد الخفية الواحدة في المنطقة أمامنا، نرصد المحرِّك المحترف أيضاً، فلا يغيب المشهد في غزة عن عين الكاميرا طويلاً، ولا كذلك تغيب عنها مشاهد الخرق المتكرر هناك في جنوب لبنان، ولكن القصة أن مشهداً جديداً طرأ فحاز الأولوية وحصل على الاهتمام، وتركزت عليه المشاهدات بعد ذلك من كل اتجاه.

ولأن حدوداً مباشرة تربط أرض فلسطين بلبنان بسوريا، ولأن المشاهد الثلاثة تقع في دائرة واحدة، فإن حركة الكاميرا في اليد الخفية بَدَت سلسة وهي تتنقل بغير عقبات أمام العين التي كانت بدورها ترى وتتطلع، ولكنَّ هذا لا ينفي أن اليد الخفية التي تُحرك الانتباه من موقع إلى موقع، كانت تفعل ذلك عن قصد في التحريك، وعن وعي بدوافعه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مشهد الكاميرا الواحدة من حولنا مشهد الكاميرا الواحدة من حولنا



GMT 08:14 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا مرة أخرى؟!

GMT 08:11 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الفرصة الأخيرة!

GMT 08:08 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

GMT 08:06 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

GMT 08:04 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 08:02 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 07:55 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 04:05 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

روسيا تبدأ سحب قواتها من قاعدة جوية قرب القامشلي
 صوت الإمارات - روسيا تبدأ سحب قواتها من قاعدة جوية قرب القامشلي

GMT 23:33 2018 السبت ,29 كانون الأول / ديسمبر

روجيه لومير يعود إلى تدريب النجم الساحلي التونسي

GMT 15:08 2017 الأحد ,10 كانون الأول / ديسمبر

طارق الشناوي يكشف أسرار الأعمال الفنية على قناة أون بلس

GMT 12:10 2013 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

ابنة مانديلا : والدي يقاتل المرض ببسالة على "فراش الموت"

GMT 21:52 2019 الخميس ,04 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء متوترة خلال هذا الشهر

GMT 11:44 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 23:16 2018 السبت ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

صلاح خاشقجي يقيم مجلس عزاء لوالده في جدة

GMT 03:48 2018 الجمعة ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

إلقاء القبض على مسن "91 عاما" لتقبيله زوجته

GMT 14:46 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

تطوير كريم يزيل بُقع الشمس دون ألم

GMT 13:37 2013 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

كتاب جديد بعنوان" العنف الأسري وحقوق المرأة السعودية"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates