المثالية والواقعية مستقبل الأمة الأميركية

المثالية والواقعية... مستقبل الأمة الأميركية

المثالية والواقعية... مستقبل الأمة الأميركية

 صوت الإمارات -

المثالية والواقعية مستقبل الأمة الأميركية

بقلم - إميل أمين

 

هل لاتزال السياسات الأميركية واقعة بين مطرقة الواقعية وسندان المثالية؟

أظهرت الخلافات حول عدد من القرارات الأميركية الأخيرة، لا سيما الهجوم العسكري على إيران، أن أزمة الازدواجية وتكافؤ الأضداد في الروح الأميركية، حاضرة وبقوة، ذلك أنه فيما كان البعض يمدح ضرب المفاعلات الإيرانية، ذهب فريق آخر إلى القدح في القرار انطلاقًا من أن القضية لا تمسّ أمن الولايات المتحدة، وأنه طالما لم يمس أحد حدودها الشرقية والغربية، وراء المحيطين، فما المبرر أو الوازع وراء الانجرار إلى "معارك الغرباء"؟

تحتاج هذه الإشكالية إلى نظرة معمقة، تتجاوز سطحية الأحداث الجارية، والعودة إلى الجذور التي قامت عليها الجمهورية الأميركية، حيث مفهومان حاكمان، القدر الواضح والمدينة فوق جبل، هما اللذان قادا مسيرة الآباء المؤسسين.

لعل أفضل من حاجج في صدد هذه الإشكالية، من المفكرين الأميركيين المحدثين، جورج فريدمان، رجل استخبارات الظلّ، والذي يلفت النظر إلى مفارقة مثيرة في النظرة إلى المساحة الفاصلة بين المثالية والواقعية.

يعتقد رجل ستراتفورد الشهير أن الجدل بين الواقعيين والمثاليين هو، في واقع الأمر قراءة ساذجة للعالم، كان لها تأثير كبير في العقود الأخيرة، فالمُثل والواقع جانبان مختلفان للشيء نفسه، وهو القوة، فالقوة في حد ذاتها وحشية لا تحقق أي شيء باقٍ، ومن المحتم أن تشوه النظام الحاكم الأميركي.

والمُثل بلا قوة مجرد كلمات، فهي يمكن أن تحيا فقط حين تعززها القدرة على الفعل.

يكاد الباحث المحقق والمدقق للسياسات الأميركية، أن يقطع بأن الصراع الداخلي، بين أنصار الواقعية، ودعاة المثالية في الداخل الأميركي، ظاهري، وأن روح القوة الواقعية هو الأساس الذي قامت عليه البنية التحتية السياسية الأميركية، مرتكزة إلى مفاهيم ميكيافيللية بامتياز.

تبدو الواقعية عند صاحب هذه السطور، هي الأصل في المشهد الأميركي، ومن دونها ما كان للجنرال جورج واشنطن أن يتخلص من الحضور الإنجليزي العسكري في بلاده، وما كان ليقدر للرجل الأبيض التمدد من الشرق الأطلسي إلى الغرب الهادئ، بدون قوة النار والبارود للسطو على أراضي الهنود الحمر.

في هذا السياق، ليس سرًّا القول إنّ جُلَّ الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، وفي مقدمهم كاتبو الدستور، وعلى رأسهم بنجامين فرانكلين، انتموا معظم حياتهم إلى الجماعات ذات الطباع والخصائص السرية، أولئك الذين يمثل نيقولا ميكيافيللي بالنسبة لهم، حجر زاوية في بنيتهم العقلية والفكرية.

من هنا، آمن غالبية إن لم يكن كل رؤساء أميركا بما قاله مفكر آل ميدتشي ذات مرة من أنه: "ينبغي أن تكون الحرب دراسة الأمير الوحيدة، فهو ينبغي أن يفكر في السلام باعتباره وقتًا لالتقاط الأنفاس فحسب، وهو ما يتيح له التروي لوضع الخطط العسكرية، ويوفر القدرة على تنفيذها".

هل تتواري المثالية، وتفتح الطريق للواقعية، خلف مثل هذه المفاهيم؟

غالب الظن أن هذه هي الحقيقة المجردة، والتي تتجلى في أن لكل رئيس أميركي حربه الخاصة التي يسعى لأن يثبت من خلالها فحولته العسكرية، وإن لم تكن حربًا بالمعنى الواسع، فبضع عمليات عسكرية فاعلة ومؤثرة على الأقلّ.

والشاهد أن فريدمان لم يكن فريد عصره وأوانه في الحديث عن زيف التضاد القائم في الرطانة اللغوية عن المثالية والواقعية في المنظومة السياسية الأميركية، ذلك أن مفكرًا أميركيًّا رحل منذ فترة قريبة، أظهر للعالم برمته أن القوة الناعمة الأميركية، ربما كانت مصطلحًا مخمليًّا، بأكثر منها حقيقة سياسية مجردة، لا سيما أن معارك أميركا الكبرى، وبخاصة شراكتها في الحرب العالمية الثانية، قامت على منظور القوة العسكرية الخشنة، ولم تستند إلى تأملات ماركوس أوريليوس، أو أخلاقيات أرسطوطاليس.

من هذا المنطلق، جعل المؤسسون الرئيس القائد العام للقوات المسلحة، وذلك لسبب واضح وهو أنهم قرأوا ميكيافيللي بعناية وعرفوا أنه، كما كتب "ليس هناك تجنب للحرب، فهي تؤجل فحسب لمصلحة الآخرين".

على أن علامة الاستفهام الرئيسة في هذه السطور: "هل كل رئيس أميركي قائد بالضرورة، وهل كل قائد عسكري، من الحصافة بمكانة للتمييز بين متى يقدم ومتى يحجم على خوض الحرب التي تمثل الواقعية لا المثالية؟".

الذين لديهم علم من كتاب الموازنة العسكرية للولايات المتحدة الأميركية للعام الجاري، والتي تقارب التريليون دولار، يقطعون بأن أعظم فضيلة يمكن أن تكون لدى الرئيس هي أن يفهم القوة، فالرؤساء ليسوا فلاسفة، وممارسة القوة فنٌّ تطبيقي وليس مجردًا.

يؤمن رؤساء أميركا بمبدأ الإمبراطور هادريان، الذي استعاره أحد سكان البيت الأبيض ونسبه لنفسه "روزفلت"، تكلم بهدوء واحمل عصا غليظة، ومن هذا المنطلق يمكن القطع بأن لكل رئيس أميركي حربه الخاصة التي يحرص على أن يخوضها لإثبات فحولته العسكرية إن جاز التعبير، وحتى يتسنى له أن يكتب اسمه في سجل القياصرة الأميركيين، لا سيما الآباء المؤسسين الذين آمنوا طويلاً جدًّا بأن القوة العسكرية هي الحل الوحيد الذي يمكن من خلاله لتلك الجمهورية الناشئة، أن تتمدد من أقصى الشرق عند ساحل المحيط الأطلسي، إلى الجانب الغربي من الولايات المتحدة أي على ساحل المحيط الهادئ، حتى وإن كلف الأمر التخلص من ملايين القتلى.

تبدو إشكالية غزة والقضية الفلسطينية اليوم، كاشفة بعمق لمدى الشرخ الحادث في المؤسسة السياسية الأميركية، ذلك أن هناك الكثير من أصحاب الرايات الفاقعة والأصوات الزاعقة من يؤمنون بأن على واشنطن أن تظل باقية على عهدها في دعم إسرائيل، والنظر إليها من منظور دوغمائي مجرد.

غير أنه حديثًا وعلى الجانب الآخر، هناك صحوة لدى الكثيرين ترى أن هذا الدعم إنما ينتقص كثيرًا جدًّا من مصداقية أميركا في عيون العالم برمته، وليس عند العرب أو المسلمين فقط.

ولعل أزمة المجاعة الأخيرة في غزة، والمشاهد التي عرضتها شاشات التلفزة ولم توفر عرضها وسائط التواصل الاجتماعي، تثبت وبما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك ملايين من الأميركيين يرون أنه حان الوقت لأن تعود أميركا إلى عالم الواقعية، وأن ترى من خلال الحقائق ما يغيب عنها بسبب التوجهات العاطفية أو الروحية المنحولة.

يقول البعض إنه لا مكان في ثنايا وحنايا الإمبراطورية الأميركية لـ"الموعظة على الجبل"... الماضي الأخلاقي المثالي لأرسطو، والسطوة والهيبة لـ"لورنزو دي ميدتشي".

غير أن هذا لا يعني أن البحث عن العصر الذهبي لأميركا، وضمن الكثير من المعطيات اللازمة للوصول إلى تلك المرحلة من التاريخ، يستدعي تضحيات كثيرة تجعل أميركا قادرة على ضبط ميزان انتباهها ما بين الواقعية والمثالية هذا إذا أرادت وعن حق الحفاظ على مستقبل الإمبراطورية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المثالية والواقعية مستقبل الأمة الأميركية المثالية والواقعية مستقبل الأمة الأميركية



GMT 21:27 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

يؤانا إقلاديوس!

GMT 21:25 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الدراسات المستقبلية

GMT 21:24 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

بكين …!

GMT 21:23 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

شعرة معاوية الإيرانية

GMT 21:22 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

مصريتنا حماها الله

GMT 21:20 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

استعدادات كبرى للحج!

GMT 21:19 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الجانب الناقص

GMT 22:09 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

استحمَّت في مغطس هتلر

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - صوت الإمارات
واصلت يارا السكري تأكيد حضورها كواحدة من أكثر النجمات الشابات أناقة خلال مشاركتها في فعاليات مهرجان كان السينمائي 2026، حيث لفتت الأنظار بسلسلة من الإطلالات الراقية التي جمعت بين البساطة والفخامة، واعتمدت خلالها تصاميم مجسّمة أبرزت رشاقتها بأسلوب أنثوي ناعم وعصري. وفي أول ظهور لها على السجادة الحمراء للمهرجان، تألقت يارا بفستان أبيض طويل بدون أكمام بقصة مستقيمة مجسّمة، تميز بتفاصيل الدرابيه الهندسية عند منطقة الخصر وانسدل بذيل ناعم منح الإطلالة طابعاً ملكياً راقياً. ونسقت معه مجوهرات ماسية فاخرة وتسريحة الكعكة العالية مع مكياج نيود هادئ ركز على إبراز ملامحها الطبيعية. كما ظهرت خلال إحدى الأمسيات الخاصة بإطلالة سوداء كلاسيكية، اختارت فيها فستاناً مجسماً بقصة الكورسيه والكتفين المكشوفين، مع ياقة هندسية عصرية أضافت لمسة ...المزيد

GMT 11:39 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العذراء الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 11:47 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كن قوي العزيمة ولا تضعف أمام المغريات

GMT 12:08 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 19:19 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

الأهلي السعودي يرفض الاستغناء عن دياز

GMT 08:11 2015 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

العاصفة المدارية "إريكا" تفقد قوتها فوق شرق كوبا

GMT 19:49 2017 الجمعة ,22 كانون الأول / ديسمبر

وصفة رائعة للحصول على بشرة نقية وصافية

GMT 15:02 2014 الأحد ,28 كانون الأول / ديسمبر

طقس مصر مائل للبرودة شمالاً معتدل جنوبًا الإثنين

GMT 15:11 2017 الثلاثاء ,11 إبريل / نيسان

اليك وسائل لنظام غذائي يحقق فقدان الوزن

GMT 01:08 2019 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

طرق مختلفة لتزيين جدران المنزل باللوحات

GMT 22:05 2018 الإثنين ,24 كانون الأول / ديسمبر

فتاة هندية تعود إلى منزلها بعد اختفائها لمدة 4 أيام

GMT 21:10 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

ساعات تحاكي شغفك بالقطع الفريدة المثيرة للاهتمام

GMT 15:01 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

أماكن سياحية لقضاء شهر عسل مُميز في الخريف

GMT 05:26 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

حنان مطاوع تنتهي من تصوير فيلم "يوم مصري"

GMT 00:43 2015 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

خطة طموحة لخفض الانبعاثات الكربونية في الدنمارك بحلول 2020

GMT 22:32 2014 الثلاثاء ,02 أيلول / سبتمبر

نور الشريف يتحدث عن مسيرته الفنيَّة مع مدحت العدل

GMT 00:02 2015 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

ارتفاع عدد ضحايا انهيار التربة في ميانمار إلى 17 قتيلًا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates