بقلم : إنعام كجه جي
لي ميلر ممثلةٌ وعارضةُ أزياء ومصورةٌ حربيةٌ أميركية. رأيتُ عنها فيلماً من بطولةِ كيت بلانشيت، وهَا هو متحفُ الفنِّ الحديثِ في باريس يُخصّصُ لها معرضاً شاملاً. تصوّرت أنّني ذاهبةٌ للفرجةِ على أعمالِ واحدةٍ من الجاسوساتِ الغاوياتِ، فوجدتُ نفسِي في أحضانِ كاميرا مبدعة. 248 صورةً أغلبُها مطبوعاتٌ أصليةٌ نادرة. فهي كانتْ تتولَّى تحميضَ صورِهَا وتطبعُهَا بنفسِها. رافقتْ قواتِ الحلفاءِ التي وصلت ألمانيا والنيرانُ لم تنطفئْ بعد. صورّتِ المعتقلاتِ النازيةَ بالحساسيَّة ذاتِها التي كانت تلتقطُ فيهَا مناظرَ الطبيعةَ الساحرة.
ارتبطَ اسمُ لي ميلر (1907 ـ 1977) بالمخرجِ والمصورِ الأميركي مان راي. كانَ قد انتقلَ إلى باريسَ وجاءت تبحثُ عنه. صارت تلميذتَه وملهمتَه وحبيبتَه. ثلاثُ سنواتٍ من علاقةٍ متوترةٍ في فورةِ ما يُسمى السنواتِ المجنونة. صادقتِ الرسامينَ والسورياليينَ وصوّرت ماكس إرنست وبيكاسو وخوان ميرو. اختارَها جان كوكتو بطلةً لفيلمه «دم الشاعر». لم يلائمها أن تكونَ مصورةَ الموضةِ والمشاهير. بحثت عمَّا يمنح لقطاتِها لمسةً أبعدَ من الواقع الذي تراه العين. وبمحضِ المصادفةِ، توصّلت إلى تقنية «التشميس». كانت تطبعُ صورَها في الغرفةِ السوداء حين تصورّت أن شيئاً مسَّ قدمها. أضاءتِ النُّورَ لبرهةٍ وجيزةٍ فتسلَّل شيءٌ منه إلى النُّسخةِ قيد التَّحميض. لم تفسدِ الصورة، لكنَّها اكتسبت أبعاداً تجريدية.
مفاجأةُ المعرض، فيما يخصُّني، هي تلك الصورُ المأخوذة في مصر. ففي سهرة بشقةِ الشَّاعر بول إيلوار، تعرفت لي ميلر على الصناعيّ والمهندس عزيز بك المصري. كانَ قد انفصل عن زوجته الأرستقراطية نعمت علوي، وكانت هي تداوي جرحَ ابتعادِها عن مان راي. من هو عزيز ومن هي نعمت؟ الجوابُ في مقال للصحافي المصري رشيد غمري، يفيد بأنَّ نعمت هانم عاشت قصةً ملتهبةً مع الشاعر الألماني الشهير ريلكه، وكانت أوَّلَ امرأةٍ من الشَّرق تظهر على أغلفةِ المجلات الأوروبية. رسمها الفنان ماكس بيكمان وبيعت لوحته «المصرية» في المزاد بمبلغ يقترب من خمسة ملايين دولار. لكن تلك قصة أخرى.
تزوَّجت لي ميلر من عزيز علوي في نيويورك ربيع 1934. قالَ لها إنَّ مصرَ ستحررها من أشباح باريس. ركبتِ الجملَ وشاهدت الأهرام. زارت الأقصر وأسوانَ والعين السخنة وواحةَ سيوة. صورّتِ البشرَ والحجر وهرماً مقلوباً. اتهموها بتشويه الآثار. كانت تركّز على التفاصيل وتلتقط وجوهَ النساء. مصوّرة استشراقية أم فنانة ذاتُ عين مختلفة؟ كتبت لحبيبها السَّابق مان راي: «كل شيء في القاهرة يلمع، لكنَّه يخفي ظلالاً لا تُحصى».
عادت إلى أوروبا مع الحرب واشتغلت مصورةً حربية. دخلت معسكر «داخاو» النازي مع الحلفاء وأخذت صوراً رهيبة. وصلت شقةَ هتلر في ميونيخ وقامت بما لا يمكن أن يخطرَ على بال. خلعت بزَّتَها المتربةَ والبسطال القذر. فتحت حنفية الماء وانزلقت تستحمُّ في مغطس الحمام. وفي مساء ذلك اليوم وصلتِ الأنباءُ بانتحار الفوهرر في برلين.