بقلم:خالد منتصر
سؤال تظنون إجابته بديهية لكنها ليست كذلك، ففى العلم لا توجد كلمة إيمان، بل توجد كلمة ثقة، وهى مبنية على التجربة والإحصاء والدليل والمختبر، إيمانى بأن المضاد الحيوى الفلانى سيقضى على البكتريا الفلانية، هذه ثقة مختلفة عن الإيمان الدينى، أو فلنقل إيماناً بمعنى مختلف، قفز إلى ذهنى هذا السؤال بعد قراءة مقال جيرى كوين «لا إيمان فى العلم» (No Faith in Science)، المنشور عام ٢٠١٣، والذى يرفض فيه مساواة الثقة بالعلم، بالإيمان الدينى، ويرى أنها تخلط بين معنيين مختلفين لكلمة «الإيمان»، ونستطيع أن نقول من خلال تلك المقالة أن العلماء فعلاً لا «يؤمنون بالعلم» بالمعنى الدينى، إنهم يقبلون تفسيراته بقدر ما تسندها الأدلة، فالثقة بفاعلية البنسلين تأتى من التجارب والنتائج المتكررة، بينما يستند الإيمان الدينى، وفق تعريف كوين،
إلى الوحى والسلطة والنصوص، دون أدلة تجريبية مماثلة، وحتى الثقة بالعالم المتخصص ليست تسليمًا بعصمته؛ فهى تستند إلى خضوع عمله للفحص والنقد، كذلك لا تُقدَّس الكتب العلمية، فعالم البيولوجى لا يقسم على كتاب «أصل الأنواع»، وقبول التطور لا يستلزم تصديق كل ما كتبه داروين، فقد أخطأ فى مسائل صححها العلم لاحقًا بعد ظهور علم الوراثة واكتشاف الدى ان ايه وتركيبه، وعمل الخريطة الجينية، وقابلية التصحيح هى أساس تلك الثقة، العالم لا يتعهد بالبقاء وفيًّا لفكرته، بهذا الشكل العاطفى الإيمانى، بل يتعهد بمراجعتها إذا خالفت الدليل، بل هذا واجبه، وليس تعهداً شفوياً يمكن إهماله، لذلك فالتعبير الأدق عنده هو «الثقة المبررة بالعلم»، لا «الإيمان بالعلم»، إذا أردنا تفرقة حاسمة حتى لا نتوه فى المصطلحات، الفرق الأساسى أن «الإيمان العلمى»— إذا قصدنا به الثقة فى العلم— ثقةٌ قابلة للمراجعة بحسب الدليل، أما الإيمان الدينى فيقوم أساسًا على التصديق بالغيب والوحى، وقد تدعمه لدى المؤمن حجج عقلية وتجربة روحية.، ولذلك فالكلمة نفسها لا تحمل المعنى نفسه فى الحالتين، العلم لا يطلب منك أن تصدّق شخصًا مهما كانت مكانته وشعبيته وجماهيريته وسطوته،، بل أن تفحص حجته: ما الدليل؟، كيف جرى الاختبار؟، هل يستطيع آخرون تكراره؟، وما الذى قد يثبت أن التفسير خطأ؟، والنظرية العلمية بدورها ليست حقيقة مقدسة، يمكن تعديلها أو استبدالها إذا ظهر تفسير أقوى وأدق، لكن قابلية المراجعة لا تعنى أن كل النتائج متساوية فى الشك، هناك معارف تسندها أدلة هائلة، وأخرى ما زالت فرضيات أولية، أما الإيمان الدينى فيتعلق بأسئلة مثل وجود الله، والغاية من الحياة، والوحى، والبعث، وهذه ليست، فى معظم صورها، مسائل يمكن حسمها بتجربة معملية متكررة، وقد يناقش المؤمن تفسير النصوص ويتغير فهمه لها، مع احتفاظه بأصل إيمانه، فالمراجعة هنا تختلف عن مراجعة نظرية علمية،
وهناك فرق بين الباحث والمتلقى أيضًا، الباحث يفترض أن يختبر الأدلة، بينما أغلبنا كمتلقين يثقون فى نتائج لم يختبرها بنفسه، لكنها ثقة مبررة بوجود وسائل للتحقق، ونقد متخصص، ومصادر مستقلة، وليست ضمانًا بأن العلماء لا يخطئون، وقوة العلم فى قدرته على كشف الخطأ وتصحيحه، وإن لم يحدث ذلك دائمًا بسرعة، ولا يعنى هذا أن كل متدين يرفض النقد، أو أن كل عالم يتحرر من التعصب؛ فقد يتمسك عالم برأيه بعناد، لكنه بذلك يخالف مقتضيات المنهج العلمى، لذلك فالأدق لغويًا أن نقول «الثقة بالمنهج العلمى» و«الإيمان الدينى»، ويمكن أن يجتمعا عند إنسان واحد، لكنهما يختلفان فى مصدر المعرفة وطريقة تبريرها، وحين يتضمن قول دينى ادعاءً عن العالم الطبيعى يمكن اختباره— كعلاج مرض مثلًا— فهذا الادعاء يخضع للفحص العلمى مثل غيره، ببساطة لايوجد كافر فى العلم، فأينشتين ليس كافراً أو مرتداً علمياً لأنه تمرد على نيوتن ولم يؤمن بقوانينه ١٠٠٪، واخترع قوانينه، وعلماء الكم لم يهرطقوا حين تمردوا على أينشتين، فليس هناك كتاب مقدس فى الفيزياء أو البيولوجى أو الكيمياء، لا يوجد المعلوم من الفيزياء بالضرورة، هناك المعلوم بالتجربة.