البدايات تصنع الروايات

البدايات تصنع الروايات

البدايات تصنع الروايات

 صوت الإمارات -

البدايات تصنع الروايات

خالد منتصر
بقلم - خالد منتصر

وأنا أتحدث عن رواية «زمن سعاد» فى حفل التوقيع، أثيرت قضية افتتاحية أو مدخل الرواية، واتفق معظم الحاضرين على أن الرواية التى لا تشدك من تلابيبك منذ الصفحة الأولى وأحيانا الجملة الأولى لا تستحق استكمالها، وهذا حقيقى فى معظم الأحيان، فتح هذا النقاش شهيتى للبحث فى الجمل الافتتاحية التى أثرت فِى شخصيا، وجعلتنى أنا الشخص، سريع الملل، ينهى رواية فى يوم أو يومين بلا انقطاع، لأنها جذبتنى وسحرتنى وأسرتنى، بالطبع ليست كل البدايات متساوية، هناك جُمل افتتاحية لا تُمهِّد ولا تستأذن، بل تقتحم وعى القارئ من السطر الأول، وتعلن بوضوح أن ما سيأتى ليس عاديًا، وأن الدخول إلى هذا العالم سيكون بلا ضمانات، هذه الجُمل لا تُغرى فقط، بل تؤسس فلسفة الرواية كلها فى لحظة واحدة، أتذكر من تلك الروايات، والافتتاحيات تلك الجمل الصادمة، أولاها وأشهرها المسخ لفرانتس كافكا:

«عندما استيقظ جريجور سامسا ذات صباح من أحلامٍ مزعجة، وجد نفسه قد تحوّل فى فراشه إلى حشرةٍ عملاقة»، ستسأل نفسك لماذا هذه الجملة عبقرية؟، هنا لا تفسير، لا تمهيد، ولا ذعر حتى، حدث كارثى يُقال ببرود تام، وكأن التحول أمر إدارى عادى، أو روتينى، القارئ يُسحَب فورًا إلى عالم العبث والاغتراب دون أى شبكة أمان، انسحاق الإنسان وتحوله إلى حشرة من الممكن أن يداس عليها بالأحذية، عبر عنها كافكا فى جملة عبقرية، اختزال مثله مثل الـ«دى إن إيه»، شريط وراثى دقيق يحمل سر الإنسان والكون، هناك أيضا رواية الغريب لألبير كامو:

«اليوم ماتت أمى. أو ربما بالأمس، لا أدرى».

القوة هنا فى اللامبالاة الصادمة، اختصار وضغط الوجود فى جملة باردة، وإعلان مبكر لفلسفة العبث، الجملة ليست عن موت الأم، بل عن انفصال الإنسان عن المعنى، قيل عنها إنها من أكثر المقدمات المرعبة وتخلو تمامًا من أى لمسة إنسانية أو عاطفية، لدرجة أنه حتى عند محاولة استحضارها فى الذهن تنفر العاطفة الإنسانية منها، وتتوقف عملية التفكير.

رواية ١٩٨٤ لـ«جورج أورويل»:

«كان يومًا باردًا مشرقًا من شهر أبريل، وكانت الساعات تدق الثالثة عشرة».

مجرد خلل صغير فى الواقع، لكنه كافٍ لزرع القلق منذ السطر الأول، الساعة الثالثة عشرة إعلان مبكر أن هذا العالم يبدو طبيعيًا، لكنه ليس كذلك، وقد حيرت هذه الجملة الباحثين الذين وجدوا فى المخطوطة الأصلية جملة أخرى كان قد غيرها وهى «كان يومًا باردًا وعاصفًا فى أوائل أبريل، وكانت مليون ساعة تُشير إلى الثالثة عشرة».

مائة عام من العزلة لجابرييل جارسيا ماركيز:

«بعد سنوات طويلة، وأمام فرقة الإعدام، تذكّر العقيد أورليانو بوينديا ذلك المساء البعيد حين أخذه أبوه ليتعرّف على الثلج».

جملة تبدأ بالنهاية، وتمزج الموت بالحنين، وتفتح الزمن كدائرة لا كخط مستقيم، القارئ يدخل منذ اللحظة الأولى إلى أسطورة عائلية وزمنية مكتملة، يقول ماركيز عن رواية أخرى هى خريف البطريرك: «بحثت عن الجملة الأولى المناسِبة لرواية خريف البطريرك، طوال ثلاثة أشهر»، ويضيف أنّ «أصعب ما فى الرواية هو الفقرة الأولى.. فى الفقرة الأولى تحل معظم المشاكل التى تواجهك فى كتابة الرواية».

رواية موبى ديك هرمان ملفيل.

«نادونى إسماعيل».


ثلاث كلمات فقط، لكنها وعدٌ بحكاية كونية.

اسم توراتى، وغموض كامل، وراوٍ يقدّم نفسه دون تاريخ أو ضمانات.

لوليتا فلاديمير نابوكوف:

«لوليتا، نور حياتى، نار أحشائى، خطيئتى، روحى».

افتتاح لغوى فائق الإغواء، لغة شعرية جميلة تخفى اعترافًا أخلاقيًا مرعبًا، القارئ يُفتن، قبل أن يدرك أنه فى منطقة خطرة.

المحاكمة فرانتس كافكا:

«لابد أن أحدهم قد افترى على جوزيف. ك، لأنه اعتُقل ذات صباح دون أن يكون قد ارتكب شرًا».

اتهام بلا جريمة، وعالم ظالم منذ السطر الأول.

تمهيد مثالى لعالم البيروقراطية الجهنمية والذنب الغامض.

هكذا تكون الافتتاحيات مغناطيسا جاذبا للقارئ، فى زمن مزدحم بالأحداث الأكثر سخونة من أى رواية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البدايات تصنع الروايات البدايات تصنع الروايات



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس - صوت الإمارات
تستعيد الأوساط الموضة والجمال مجموعة من أبرز إطلالات النجمات وعاشقات الموضة بصيحة اللون الوردي الأحادية المشهورة بتوقيع دار الأزياء العالمية فالنتينو، وذلك بالتزامن مع فعاليات شهر "أكتوبر الوردي" المخصص للتوعية بمرض سرطان الثدي ودعم المحاربات حول العالم. وتعود هذه الصيحة البارزة التي أطلقتها الدار العالمية في سبتمبر عام 2022 تحت اسم "PP Pink" لتمنح النساء أفكاراً تنسيقية فخمة ومبتكرة تعتمد على المظهر المونوكروم باللون الوردي الفاقع. وتألقت النجمة ياسمين صبري بتلك الصيحة خلال إحدى المناسبات الخاصة بالموضة، حيث ارتدت فستاناً طويلاً باللون الزهري تميز بياقة ضيقة وأكمام قصيرة وقصة محددة عند الخصر يتخللها شق جانبي، وأكملت المظهر بحذاء وردي بكعب عالٍ وجوارب وحقيبة يد بنفس اللون. كما ظهرت عارضة الأزياء جيجي حديد بإطلال...المزيد

GMT 00:00 -0001 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

شهر مفصلي أنت على مفترق طريق في حياتك وتغييرات كبيرة

GMT 13:56 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حماسية وجيدة خلال هذا الشهر

GMT 20:43 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 08:48 2019 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

زعيم "داعشي" يسلم نفسه للسلطات الأفغانية

GMT 17:15 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

ديكورات عصرية مُذهلة في منزل إلين ديجينريس الجديد

GMT 15:29 2018 الأربعاء ,23 أيار / مايو

إنتاج مسحوق حليب الأطفال من الإبل في الإمارات

GMT 12:01 2018 الثلاثاء ,16 كانون الثاني / يناير

حسين فهمي يستكمل تصوير "خط ساخن" مع السورية سولاف فواخرجي

GMT 15:18 2017 السبت ,27 أيار / مايو

حقوق المساهم والجمعيات العامة

GMT 21:40 2017 الثلاثاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

إنفوغراف 2
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates