بقلم:خالد منتصر
هذا عنوان كتاب صدر بالإنجليزية سنة 1963 بعنوان The Ordeal of Change، وهو مجموعة من ست عشرة مقالة تتناول التغيير الجذرى، والتعصب، وعلاقة المثقف بالجماهير، والعمل وغيرها.
وقد رأى هوفر مؤلف الكتاب نفسه أنه أفضل كتبه، صدرت ترجمته العربية لشيرين علوش عن الدار الليبرالية، ليس التغيير عند إريك هوفر انتقالاً هادئاً من حال إلى حال، بل زلزال يهز صورة الإنسان عن نفسه.
ففى كتابه «محنة التغيير» لا يسأل: لماذا تتغير المجتمعات؟ بقدر ما يسأل السؤال الأخطر: ماذا يحدث داخل الإنسان عندما يكتشف أن العالم الذى تعلّم كيف يعيش فيه قد اختفى؟ الفكرة المركزية فى الكتاب أن الإنسان لا يخشى الجديد لأنه شر بالضرورة، بل لأنه امتحان لكفاءته وكرامته، العادات القديمة تمنحنا شعوراً بالأمان، نعرف أدوارنا وحدودنا ومكاننا، أما التغيير الجذرى فيسحب هذه الأرض من تحت أقدامنا، ويضعنا أمام سؤال قاسٍ: هل ما زلنا قادرين على النجاح فى العالم الجديد؟
هنا يبدأ الخطر، فالإنسان الذى يمتلك مهارة أو موهبة أو عملاً ذا معنى يستطيع غالباً أن يتكيف، لأنه يحمل مصدر ثقته داخله، أما المحبط، الذى لا يرى فى حياته قيمة ولا يملك مشروعاً شخصياً، فقد يبحث عن قيمته داخل جماعة صاخبة، أو عقيدة مطلقة، أو قائد يريحه من عبء التفكير، إنه لا ينضم إلى الحركة الثورية كى يغيّر العالم فقط، بل كى يهرب من نفسه ويستبدل هويته الفردية المأزومة بهوية جماعية ضخمة، وتلك من أكثر أفكار هوفر نفاذاً، التطرف ليس دائماً ابن الفقر، بل قد يكون ابن الكبرياء المجروح والعجز عن احترام الذات، فعندما يعجز الفرد عن تحقيق إنجاز شخصى، قد يتبنى «حقيقة مطلقة»، تمنحه إحساساً بالتفوق، حتى لو كانت هذه الحقيقة تطلب منه كراهية المختلف أو التضحية بحريته، ولا يجامل هوفر المثقفين.
فالمثقف الذى يرفع شعارات الحرية وهو خارج السلطة قد يتحول، حين يصل إليها، إلى حارس جديد للأبواب القديمة، يحتاج المثقف إلى الجماهير كى تمنحه النفوذ، لكنه قد يخشاها بعد انتصاره، فيبدأ بتقييد استقلالها وفرض رؤيته عليها، الثورة التى وعدت بتحرير الإنسان قد تنتهى بصناعة إنسان مطيع، ترس فى آلة أو، بتعبير أرسطو الذى يستحضره الكتاب، «أداة متحركة»، قوة الكتاب أنه لا يقدم وصفة جاهزة للتغيير، بل يكشف تناقضاته النفسية، غير أن ضعفه يكمن فى كثرة التعميم، وفى ارتباط بعض أمثلته بالحرب الباردة وصعود الشيوعية والثورات الآسيوية، وهذا يرجع لتاريخ إصداره القديم على ما أعتقد، ومع ذلك، يبدو «محنة التغيير» كتاباً مكتوباً لزمننا: زمن الذكاء الاصطناعى، وفقدان الوظائف، وانهيار اليقين، وصعود الشعبوية والجماعات الرقمية، إنه يعلّمنا أن تحديث التكنولوجيا أسهل من تحديث الإنسان، وأن هدم النظام القديم لا يضمن ميلاد نظام أفضل.
فالمجتمع الذى يوقظ أفراده ثم يتركهم بلا تعليم ولا مهارة ولا فرصة ولا معنى، لا يصنع مواطنين أحراراً؛ بل يصنع قنابل بشرية تنتظر مَن يمنح غضبها اسماً وعَلَماً وعدواً، محنة التغيير، إذن، ليست أن يصبح العالم جديداً، بل أن يدخل الإنسان ذلك العالم بعقل قديم، وخوف قديم، وحاجة قديمة إلى مَن يفكر نيابة عنه.