بقلم:خالد منتصر
خرج علينا ممثل كان قد قام ببطولة عدة أفلام لم يكتب لها النجاح، كلها كانت تعتمد على مهارته فى رياضة الكونغ فو، وأعلن بكل ثقة أنه قد افتتح مركزًا للعلاج بالخلايا فى بلد أوروبى، ويدعو المصريين للذهاب للعلاج السحرى هناك!، وسأفترض جدلاً أنه يقصد بالخلايا، الخلايا الجذعية، لأننى لا أعرف على قدر معلوماتى المحدودة علاجًا بشىء اسمه الخلايا فقط!، وفضلاً عن أن هذا الممثل أخبرتنى فنانة شهيرة بأنها دفعت آلاف اليوروهات لعلاج ركبتها عنده وفشلت فشلاً ذريعًا، المصيبة أننى وجدت مصريين يحجزون ويطلبون واسطة، فقلت ها هى طيبات جديدة تظهر فى الأفق، فقد أصبح الطب المصرى ملطشة لكل من هب ودب، وسأشرح للقراء المسألة ببساطة، فأقسى ما يمكن أن يحدث لمريض يبحث عن الشفاء أن يدفع أمواله ليشترى ضررًا جديدًا، أو تأخرًا عن العلاج الحقيقى الفعال، وتحت لافتة «الخلايا الجذعية» تُباع الوعود الزائفة باستعادة الحركة، وعلاج التوحد، وتجديد المخ، ومقاومة الشيخوخة، كأننا أمام مفتاح سحرى يُصلح كل عطب الجسد وأعطاله، لكن المسافة بين اكتشاف علمى واعد وعلاج مأمون لا يقطعها إعلان، ولا تحققها شهادة مريض أمام الكاميرا، الخلايا الجذعية تحمل إمكانات علاجية مهمة، ولها استخدامات طبية راسخة وأخرى معتمدة بشروط محددة، مثل زرع النخاع مثلًا فى سرطان الدم، لكن نجاح نوع منها فى علاج مرض لا يُثبت أن نوعًا آخر، يُحقن بطريقة مختلفة، سيعالج مرضًا مختلفًا، مصدر الخلايا، وطريقة تجهيزها، ونقاؤها، وجرعتها، ومكان إعطائها، كلها تفاصيل تصنع الفرق بين تدخل مدروس ومغامرة بصحة الإنسان، والأهم موافقة وتصريح الإف دى إيه، لابد من التجارب المعملية، والمطلوب ليس استكمال «التجارب المعملية» فقط. فنجاح الخلايا فى طبق المعمل، أو ظهور نتائج مشجعة فى الحيوانات، لا يثبت أمانها وفاعليتها لدى البشر، تبدأ الدراسات قبل السريرية بفحص خصائص المنتج ومخاطره، ثم تنتقل الأبحاث إلى تجارب بشرية منظَّمة، تدرس السلامة والجرعة، وتبحث الفاعلية، وتقارن المنافع بالأضرار، وقد تتداخل مراحل البحث بحسب طبيعة العلاج، لكن لا يجوز اختصار الدليل فى عبارة «نجحت التجربة».
والمخاطر ليست افتراضية، فقد حذرت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية من تقارير عن عدوى خطيرة، واستجابات مناعية والتهابية غير مرغوبة، وتكوّن أورام بعد استخدام منتجات تجديدية غير معتمدة، وقد تنمو الخلايا بصورة غير مقصودة أو تكوِّن أنسجة فى مواضع غير مناسبة، تختلف هذه المخاطر باختلاف المنتج وطريقة استخدامه، ولا يصح اعتبار جميع الخلايا الجذعية متساوية فى أمانها أو خطورتها، وهناك مثال مؤلم موثَّق، فقد نشرت مجلة «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن» عام ٢٠١٧ تقريرًا عن ثلاث مريضات أُصبن بفقدان شديد للبصر فى العينين بعد حقن منتجات وُصفت بأنها خلايا جذعية مستخرجة من دهون أجسامهن، بهدف علاج التنكس البقعى، وهنا نقف لنقول: عبارة «الخلايا من جسمك» ليست ضمانًا للأمان؛ فمكانها الجديد وطريقة معالجتها وسلوكها بعد الحقن أمور تحتاج إلى دراسة، ويمتد الضرر إلى ضياع الوقت والمال، وتأخير علاج مثبت قد تكون فرص نجاحه مرتبطة بالتدخل المبكر، أما التحسن الذى يرويه شخص واحد، مهما بدا صادقًا، فلا يكفى لإثبات السبب؛ فقد يتزامن مع علاج آخر أو تأهيل أو تقلب طبيعى فى الأعراض. لهذا نحتاج إلى دراسات تسمح بتمييز أثر العلاج من المصادفة والتوقع، ولا تعنى المشاركة فى تجربة سريرية منظَّمة الوقوع فى الاحتيال، فالبحث الطبى ضرورى للتقدم. الفارق أن الباحث يشرح بوضوح أن الفائدة غير مؤكدة، ويعرض المخاطر والبدائل، ويعمل تحت رقابة علمية وأخلاقية. أما تسويق التجربة باعتبارها شفاءً مضمونًا فهو تضليل. كذلك فإن تسجيل مركز لدى FDA، أو إدراج دراسة على موقع التجارب الإكلينيكية، لا يعنى اعتماد العلاج للبيع. قبل أن تدفع، اطلب اسم المستحضر، ودليل اعتماده لمرضك تحديدًا، أو وثائق التجربة والجهة المشرفة عليها إن كان تجريبيًا، ومن يعدك بعلاج أمراض متباعدة بالحقنة نفسها، ويستبدل بالدراسات حكايات هارى بوتر عن النجاح، يستحق أن تتوقف أمام وعوده طويلًا، الأمل حق للمريض، وحمايته تبدأ بأن نقول له الحقيقة كاملة، ما نعرفه، وما نجهله، وما قد يدفعه من صحته ثمنًا لهذا الجهل، فالعلم ليس مباراة بوكس فى حلبة تنتظر التشجيع وصرخات الجمهور، العلم ملاحظة، وتأمل، وتجربة، وقابلية نتائجها للتكرار، وأمان تطبيقها على البشر، بعيدًا عن جماهير وألتراس وشاشة واستعراض عضلات وبيزنس تجارة بآلام الناس.