أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

 صوت الإمارات -

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

سام منسى
بقلم - سام منسى

سنة 2026 كانت مرشحةً لأن تكونَ سنةَ إيران بفعل اتساع الاحتجاجات وتصاعدِ الضغط الخارجي، مع أنَّ الحدث الإيراني، على أهميته يبقى حدثاً إقليمياً تطول آثاره المباشرة المنطقة. ورغم فداحةِ مأساة غزة الإنسانية، فهي تتَّجه نحو مسارات تسوية، فيما تبدو أزمة فنزويلا محصورة بإبعاد نيكولاس مادورو وتكيّف السلطة مع واشنطن وفق رغبة دونالد ترمب. التحدي الأخطر اليوم يتجاوز هذه الملفات جميعاً: غرينلاند، التي أعاد ترمب التأكيد في خطابه بدافوس رغبته في امتلاكها، محولاً إياها من مجرد جزيرة بعيدة إلى مؤشر على مسار أميركي جديد يهدد العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وأوروبا، ويزعزع الأسس التي قام عليها النظام الدولي منذ 80 عاماً.

هل ما نشهده سياسة أميركية ثابتة أم مجرد نهج «ترمبي» ظرفي؟ كيف ينبغي للعالم، وبخاصة أوروبا، التعامل معه، كسياسة عابرة أم كتحول أميركي طويل الأمد؟ هذه المعضلة معقدة، لأنَّ أوروبا لا تستطيع بسهولة كسر علاقتها التاريخية العميقة بأميركا، في وقت تعاني أزمات متراكمة تجعلها أقل قدرة على صياغة ردّ موحد وفعال. إلى ذلك هل بمقدور ترمب مواجهة العالم بأسره من الصين وروسيا والبرازيل والهند وإيران وكندا والمكسيك، واليوم أوروبا، ناهيك عمَّا يعتري علاقته بإسرائيل من تباينات معلنة ومستترة؟

بالموازاة، الداخل الأميركي ليس خلفية ثانوية، بل يكشف أنَّ النزعة التوسعية في الخارج تترافق مع تشدّد هُويَّاتي داخلي: تشديد الهجرة، وبناء الدولة الأمنية، والتدخل في القضاء والجامعات ومكاتب المحاماة واستهداف الناشطين. أنتج هذا المسار استقطاباً داخلياً غير مسبوق، في سياق إعادة تشكيل فكرة أميركا من دولة تقود نظاماً دولياً وفق قواعد وسلم قيم، إلى دولة تتعامل مع العالم كمساحة صراع وموارد تحت شعار «الأقوى يقرر». فحين تتغير هوية الدولة داخلياً، تتغير السياسة الخارجية تلقائياً.

بات الغرب أمام سؤال مُحرِج: ما الذي يميز الدول الديمقراطية عن الأنظمة الاستبدادية والمشاريع التوسعية التي طالما أدانها؟ حين يبرر ترمب ضم غرينلاند باعتباره ضرورة أمنية، محذراً من أنَّ البديل هو استيلاء روسيا أو الصين عليها، فهو لا يطرح حجة سياسية فحسب، بل يختبر حدودَ النظام الدولي نفسه، ويضع «الناتو» أمام امتحان غير مسبوق، ويمتحن قدرة أوروبا على الدفاع عن مفهوم السيادة عندما يأتي التهديد من داخل البيت الغربي.

هنا تفرض المقارنة مع فلاديمير بوتين نفسها. فالعالم أدان روسيا لضمها القرمَ وغزوها أوكرانيا لأنَّها انتهكتِ السيادة وغيَّرت الحدود بالقوة. فإذا لوَّحت دولة ديمقراطية كبرى بضمّ أرض لا تخصّها، ولو عبر الابتزاز الاقتصادي بدل الدبابات، فبأي معيار يمكن للغرب أن يطالب العالم باحترام القانون الدولي؟ عندها لا يعود النقاش حول نيات ترمب فحسب، بل حول الفارق الأخلاقي والسياسي ومعنى الغرب نفسه. هل ما يزال الغرب يمثل منظومة تحكمها القواعد، أم أصبح نظاماً برغماتياً يبدل المعايير تبعاً للمصلحة؟ الخطر ليس في التشبيه بقدر ما هو في سقوط التفوّق القيمي الذي استند إليه الغرب لتجريم الغزو الروسي، وفي ضرب مبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة أو بالتهديد، وهو ركن تأسيسي في ميثاق الأمم المتحدة.

ضمن هذا السياق، تصبح غرينلاند أكثرَ من أزمة عابرة في العلاقات الأوروبية-الأميركية. فأوروبا، التي اعتادت النظر إلى واشنطن بوصفها مظلةً أمنية، تجد نفسَها أمام إدارة تمارس الضغط على الحلفاء لا الخصوم، وتستخدم الأدوات الاقتصادية والحمائية وسائل إكراه، من تعريفات وعقوبات وتحكم بالممرات والأسواق وسلاسل الإمداد. ترمب يعيد إنتاج إمبريالية ناعمة تفقد الدول استقلال قرارها بالتدريج تحت ضغط المصلحة والخوف، فتتراجع الشراكة لصالح منطق الصفقة: من لا يساير يُعاقب، ومن يعترض يُهدَّد. هذا ما يجعل غرينلاند أخطر من مجرد عنوان، إنَّها نموذج لكيف يمكن تفريغ السيادة من مضمونها دون إطلاق النار.

الأخطر أنَّ ذلك يحدث في لحظة هشاشة أوروبية، أزمات داخلية، وحرب أوكرانيا، وتراجع الاطمئنان إلى الضمانات الأميركية، ما يفرض على القارة التفكير في استقلال استراتيجي، لأنَّ التهديد لا يطول علاقة ثنائية فقط، بل جوهر المنظومة الأمنية الغربية نفسها، إذ يُخشى تحول «الناتو» من مظلة ردع للخصوم إلى أداة ضغط على الحلفاء.

هكذا، تحولت غرينلاند من اختبار لأوروبا، إلى معيار لشرعية الغرب. فإذا تهاوت فكرة السيادة وكانت أميركا الطرف المهدّد، فكيف سيقنع الغرب العالم بأنَّه يدافع عنها في أوكرانيا أو فلسطين أو في أي مكان آخر؟ الخطر ليس احتمال ضم غرينلاند، بل ضم مبدأ السيادة ذاته إلى قائمة المبادئ القابلة للتفاوض. وهنا بالضبط تدفع أوروبا لامتحان وجودي، إذ لن تكون أمام أزمة مع ترمب فحسب، بل أمام لحظة تاريخية، إمَّا أن تبقى ملحقاً استراتيجياً في عالم تُدار فيه التحالفات بالضغط، أو البدء، ولو متأخرة، ببناء استقلالها كضرورة وجودية لا كتطلع نظري. ويبقى السؤال: هل ترجع أميركا إلى القواعد والقيم المؤسسة، واستيلاد رموز تاريخية مثل روزفلت وترومان وأيزنهاور وكينيدي وبوش الأب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - صوت الإمارات
مع اقتراب نهاية فصل الشتاء، تحرص النجمات على استثمار الأيام الباردة الأخيرة بأسلوب يعكس أناقتهن ويبرز شخصياتهن المتفردة، حيث تتحول رحلاتهن السياحية إلى منصات مفتوحة لاستعراض أحدث الصيحات بأساليب مبتكرة تجمع بين الجرأة والراحة. وبين المدن الأوروبية الساحرة والوجهات الجبلية الثلجية، ظهرت مجموعة من الإطلالات التي مزجت بين القطع الكلاسيكية واللمسات العصرية، مؤكدة أن الأناقة الشتوية يمكن أن تظل متألقة حتى اللحظات الأخيرة من الموسم. وقد برزت النجمة درة زروق بإطلالة جلدية كاملة باللون العنابي خلال تواجدها في مدريد، حيث اختارت تنسيقاً يعكس القوة والجرأة مع لمسة أنثوية ناعمة من خلال المكياج وتسريحة الشعر. كما لفتت ندى باعشن الأنظار في أجواء جبال الألب بإطلالة جريئة، اعتمدت فيها على معطف فرو فاخر مع ألوان حيوية أبرزها الفوشيا...المزيد

GMT 20:21 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027
 صوت الإمارات - إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027

GMT 14:33 2016 الجمعة ,22 إبريل / نيسان

"كتب صنعت في الإمارات" يطلق نسخته الخامسة

GMT 07:45 2012 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

عودة الماعز البري إلى جبال البرانس في فرنسا

GMT 10:05 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

"الشارقة السينمائي للطفل" يواصل عروض الأفلام والورش

GMT 20:41 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 00:16 2020 الأحد ,05 تموز / يوليو

دينا الشربيني بديلة روبي في “30 مارس”

GMT 14:12 2020 السبت ,15 شباط / فبراير

مدحت العدل يقاضي شركة نقل لتعديها على حقوقه

GMT 05:58 2019 الأحد ,17 آذار/ مارس

نهب وتخريب وحرائق في أجمل شوارع باريس

GMT 17:35 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن "أدب الرعب" مجرّد مؤثر خارجي

GMT 08:03 2018 الخميس ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

نادر شوقي يؤكد عدم عودة رمضان صبحي إلى الأهلي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates