بقلم : طارق الشناوي
هل توقع بليغ حمدى الذى حلت قبل يومين ذكراه أنه سيظل يحتل تلك المكانة فى وجدان الناس، أتصور بليغ، لم يشغل نفسه بهذا السؤال، رغم أن أنغامه عابرة للزمن.
أكثر ملحن عربى صارت حياته هدفا للعديد من الأفلام التسجيلية والبرامج، وقدم عنه المخرج السورى عبد اللطيف عبد الحميد فيلمه الروائى (نسيم الروح) بطولة بسام كوسا، استوحى المخرج حالة السرد السينمائى من حالة بليغ الموسيقية، واختار البطل أحد عشاق بليغ قرر أن يسافر للقاهرة لحضور جنازته، فتلبسته روح بليغ فى كل التفاصيل.
قبل ذلك قدمت السينما المصرية فيلما آخر (موت سميرة) عن حادث انتحار سميرة مليان من شقة بليغ.
كل المشاركين فى الفيلم تبرأوا منه، وكل الفضائيات بدون اتفاق اتفقت على عدم بثه.
الزمن هو (الغربال)، المقياس الحقيقى والصائب للإبداع، لا يمكن أن تسمح الأيام، باستقرار نغمة فى الوجدان، إلا إذا كانت تنطوى على قيمة روحية مضمرة قادرة على الحياة.
أغانيه طبقا للأوراق الرسمية بجمعية المؤلفين والملحنين تصل إلى ١٥٠٠، غزارة وتنوع، عبد الحليم حافظ يقف على قمة الأصوات الرجالى إلا أنه لحن للجميع، وعندما ظهر عدوية لم يتعال على اللون الشعبى، لحن له بمذاق بليغ، يصل إلى الذروة مع أم كلثوم فى ١١ أغنية بداية من (حب إيه) سنة ٦٠ وصولا إلى آخر أغانيها (حكم علينا الهوى) ٧٣ والتى سجلتها ولم تؤهلها حالتها الصحية للوقوف على خشبة المسرح، لم يتوقف عند مرحلة موسيقية واحدة، كان حريصا على تعلم كتابة النوتة الموسيقية حتى يوظف العلم فى البناء الموسيقى، ولا يتوقف فقط عند جمال الجملة اللحنية، يستخدم تناغم الأصوات وأيضا تناقضها، من أجل التطوير تحت غطاء العالم، عندما أراد الذهاب للفولكلور كان له منهجه الخاص، وبرغم أن الموسيقار الكبير محمد فوزى أستاذ بليغ، انتقده لأنه كان يرى ضرورة الإبقاء على الجملة اللحنية كما هى، بليغ كان يستلهم الفولكلور ويمنحه نبض الزمن، مثل (على حزب وداد جلبى يابوى) عبد الحليم و(الحنة يا حنة يا قطر الندى) شادية.
تستطيع أن ترى جرأة بليغ حمدى فى استخدامه الآلات مثل الأوكرديون والسكسفون فى ألحان أم كلثوم، ولكنى أراه فى حكاية رواها عن علاقته بـ(اللون البنفسجى)، أثناء هجرته إلى باريس لمدة ٥ سنوات، وكان مجبرا على البقاء هناك، بعد أن صدر بحقه حكم بالسجن لمدة عام بسبب قضية (سميرة)، وصار اسمه ترقب وصول فى مطار القاهرة، تدخل الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وأمام محكمة النقض أعيد النظر فى القضية، وأكدت المحكمة براءة بليغ.
أما اللون البنفسجى، فلقد استمعت إلى بليغ يحكى، كيف أنه عندما صار موضة فى أوروبا، نهاية الثمانينيات، ووجد بليغ أن الجميع فى الشارع يرتدون قمصانا بلون البنفسج، تذكر أنه صعيدى ورفض ارتداءه، وثانى يوم ارتداه مجددا إلا أنه لم يقو على فتح باب الشقة، ثالث يوم خرج من باب الشقة إلى الشارع.
بليغ حمدى فى ألحانه أيضا يمتلك الجرأة ولا يخضع لما تعارف عليه الناس باعتبارها قواعد لا تسمح بالنقاش.
كانت لديه العديد من الأفكار، منها التلحين لصوت فيروز، وأعد لها عددا من الأغنيات بكلمات عبد الرحيم منصور ومجدى نجيب لا تزال فى درج مكتبه.
لو أنصت لحديث الأرقام، تكتشف أنه صاحب الأداء العلنى الأكبر خلال الأربعين عاما الأخيرة، وهذا يعنى أنه الأكثر ترديدا فى كل الإذاعات والفضائيات الناطقة بالعربية، كأنه يقرأ ببساطة مشاعر وأحاسيس الناس فى (الألفية الثالثة)!!.