إسرائيل تفاوض جاد أو عزلة دولية

إسرائيل... تفاوض جاد أو عزلة دولية

إسرائيل... تفاوض جاد أو عزلة دولية

 صوت الإمارات -

إسرائيل تفاوض جاد أو عزلة دولية

بقلم - مأمون فندي

 

تُعدّ جهودُ المملكةِ العربية السعودية في الدفع بحل الدولتين، من خلال مؤتمر نيويورك الذي رعته بالشراكة مع الجمهورية الفرنسية، خطوةً متقدمة في العمل العربي، أعادت قضية السلام إلى مركز الفعل السياسي الدولي بعد سنوات من الجمود وغياب الأفق. ما حدث في نيويورك ليس فقط لحظة رمزية، بل تحوّل نوعي في مسار الدبلوماسية العربية، وربما يكون بداية «التحول الجيواستراتيجي» الكبير تجاه المسألة الفلسطينية، إن أُحسن استثماره.

اعتراف فرنسا المرتقب بالدولة الفلسطينية في سبتمبر (أيلول) المقبل خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يمكن فصله عن هذا المسار. هذا الاعتراف ليس غاية في ذاته، بل خطوة مقصودة الغرض منها خلق زخم دبلوماسي يفتح الباب أمام موجة اعترافات أخرى متتالية، تشكل ما يمكن وصفه بـ«تأثير الدومينو» الذي يعيد تشكيل المواقف العالمية، ويضعف الموقفين الأميركي والإسرائيلي أخلاقياً وسياسياً أمام المجتمع الدولي. إعلان كندا، ومواقف أستراليا، والتصريحات البريطانية المشروطة كلها تأتي في هذا السياق، حيث تتبلور بيئة دبلوماسية جديدة، قوامها أن حل الدولتين لم يعد ترفاً تفاوضياً، بل ضرورة أمنية واستراتيجية للعالم بأسره، لا سيما لمنطقة الشرق الأوسط.

لكن ينبغي عدم التوقف عند هذا الحد. لا يكفي أن يُعترف بالدولة الفلسطينية قانونياً، بل لا بد من نقل هذا الاعتراف إلى واقع عملي، يفرض نفسه على الأرض، ويُجبر إسرائيل على التعامل الجدي مع هذا الواقع. ذلك أن إسرائيل لا تأخذ شيئاً على محمل الجد إلا حين تشعر بأن هناك ثمناً سياسياً ستدفعه إن استمرت في سياساتها، أو أرباحاً ستخسرها إن تجاهلت النداءات الدولية.

السؤال الآن: ما الخطوة التالية؟ كيف نحول الزخم السياسي إلى أدوات ضغط حقيقية تُحدث فرقاً في السلوك الإسرائيلي؟ في هذا السياق، تبدو فكرة التوجه نحو «الطرف الثالث» ضرورية. الطرف الثالث هنا لا يعني فقط الاتحاد الأوروبي كمؤسسة، بل يعني كل الدول الفاعلة ذات التأثير السياسي والاقتصادي، من بريطانيا إلى الدول الآسيوية واللاتينية، بل حتى الدول التي اعتادت على الحياد، لكنها تمتلك قدرة على التأثير في الكواليس. هذا الطرف الثالث هو المفتاح الآن؛ لأنه القادر على تحويل الدعم السياسي للقضية الفلسطينية إلى إجراءات عملية ومؤثرة، تشكل تكلفة على الاحتلال واستمراره.

إذا خرجت إسرائيل من حرب غزة من دون أن تدفع ثمناً سياسياً أو قانونياً لما ارتكبته من إبادة جماعية موثقة، ولما مارسته من تطهير عرقي وتجويع ممنهج بحق المدنيين، فإننا نكون أمام لحظة خطيرة في النظام العالمي. ذلك أن أحد أعمدة هذا النظام هو الاحتكام إلى القانون الدولي، وإذا تم استثناء إسرائيل من هذا القانون، فإنَّ الرسالة تكون أنَّ العالم يعيش نظاماً مزدوج المعايير، قابلاً للانهيار الأخلاقي في أي لحظة. ومن المفارقات اللافتة أن بعض الأصوات الأميركية والإسرائيلية تتحدَّث عن أنَّ مؤتمر نيويورك مكافأة لـ«حماس» على ما حدث في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بينما الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها هي أنَّ إفلات إسرائيل من المحاسبة على جرائمها سيكون مكافأة لها على ارتكاب جرائم حرب، بل يُعد تواطؤاً صريحاً في تقويض النظام الدولي القائم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

القانون الدولي يعترف بأنَّ الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، هي أراضٍ فلسطينية محتلة منذ الخامس من يونيو (حزيران) 1967، وبالتالي فإنَّ كلَّ الاستيطان فيها غير قانوني. ومع ذلك، لا يزال الموقف الأوروبي، وحتى البريطاني، يتَّسم بالتردد والانتقائية. العقوبات التي فرضت حتى الآن على بعض المستوطنين لا تلامس جوهر المشكلة؛ لأنَّ الاستيطان ليس فعلاً فردياً، بل هو سياسة دولة مرخّصة ومدعومة ومُمولة من الحكومة الإسرائيلية نفسها. هنا تحديداً يجب أن يكون الضغط، وهنا تأتي الحاجة إلى صياغة موقف عربي موحد، تقوده السعودية ومصر والإمارات والأردن، يهدف إلى أن يكون هناك ثمن تدفعه إسرائيل مقابل الاستمرار في هذه السياسات.

حتى هذه اللحظة، ما زال الاتحاد الأوروبي يُصدق الرواية الإسرائيلية، ويُحجم عن اتخاذ خطوات عملية تُجبر إسرائيل على التراجع. بل إن بعض الدول، وعلى رأسها بريطانيا، لا تزال تزوّد إسرائيل بقطع غيار الطائرات المقاتلة من طراز F-15، إلى جانب تكنولوجيا عسكرية متقدمة. وفي هذا السياق، تصبح الدبلوماسية العربية مطالبة بممارسة ضغط حقيقي ومباشر على هذه الدول، سواء عبر القنوات الرسمية أو من خلال المؤسسات الدولية، من أجل وقف هذا الدعم، أو جعله مشروطاً بانخراط إسرائيل الجاد في مسار سياسي واضح المعالم نحو قيام دولة فلسطينية مستقلة.

هناك أدوات كثيرة بيد هذه الدول يمكن تفعيلها، من مراجعة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية، إلى تقييد صادرات الأسلحة، وصولاً إلى دعم جهود المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة مجرمي الحرب. كما يمكن طرح فكرة فرض حظر على منتجات المستوطنات، وتوسيع دائرة الضغط الدبلوماسي في المؤسسات الأممية لإعادة الاعتبار للقرار 242 وغيره من قرارات الشرعية الدولية التي أصبحت تُعامل كوثائق أرشيفية لا يُلتفت إليها.

إنَّ قيام دولة فلسطينية ليس منحة من أحد، بل ضرورة إقليمية وأمنية واستراتيجية، كما ذكرت مراراً. الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب العدالة، ولا يمكن فصل استقرار المنطقة عن مصير الشعب الفلسطيني. وإن لم يتم إدراك هذه الحقيقة في العواصم الكبرى، فربما تكون المنطقة كلها على موعد مع اضطرابات أعمق وأكثر خطورة في السنوات المقبلة.

الدبلوماسية السعودية أثبتت أنها قادرة على تحريك المياه الراكدة، وعلى الجميع ترجمة الاعتراف السياسي إلى وقائع على الأرض. والفرصة سانحة لتحويل لحظة نيويورك إلى نقطة تحول حقيقية، تضع إسرائيل أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التفاوض الجاد نحو حل الدولتين، وإما مواجهة عزلة دولية تجعل منها دولة مارقة ومهددة للأمن والسلم العالميين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل تفاوض جاد أو عزلة دولية إسرائيل تفاوض جاد أو عزلة دولية



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

GMT 01:11 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

GMT 01:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:53 2022 الجمعة ,24 حزيران / يونيو

تسريحات شعر قصير للعروس في 2022

GMT 13:26 2019 الثلاثاء ,02 تموز / يوليو

رُشِّحت لجائزة نوبل في الأدب لعام 2009

GMT 13:42 2021 الأحد ,16 أيار / مايو

مكتوم بن محمد رئيساً لديوان حاكم دبي

GMT 11:55 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

قائمة من فقدوا لقب "ملياردير" خلال 2019

GMT 09:49 2015 السبت ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

زلزال قوته 7 درجات يضرب جنوب غرب اليابان

GMT 12:35 2018 الخميس ,10 أيار / مايو

شرطة أبوظبي تحقق أمنية طفل بأن يصبح ضابطًا

GMT 16:31 2016 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

اعصار يدمر منازل قرب شيكاجو وسقوط إصابات

GMT 17:55 2020 الخميس ,07 أيار / مايو

هجمات على الليرة التركية من لندن

GMT 04:41 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

ثقب أسود جديد في "درب التبانة" بحجم أكبر 70 مرةً مِن الشمس

GMT 02:01 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

مشاكل تقنية وراء تعطًل "واتساب" في عدد من دول العالم

GMT 09:32 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

محمد بن راشد يتابع سير العمل بمشاريع مؤسسة دبي للمستقبل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates