هل الخوارزميَّة هي اليدُ الخفيَّة الجديدة

هل الخوارزميَّة هي اليدُ الخفيَّة الجديدة؟

هل الخوارزميَّة هي اليدُ الخفيَّة الجديدة؟

 صوت الإمارات -

هل الخوارزميَّة هي اليدُ الخفيَّة الجديدة

بقلم: مأمون فندي

كان ذلك عام 1985. عند بداية تعرّفي إلى التجربة الأميركية. دخلتُ للمرة الأولى مركزاً تجارياً كبيراً، فكانت التجربة مذهلة ومرهقة معاً. بدت الدكاكين بلا نهاية، والبضائعُ أكثرَ من قدرة العين على الفرز. لم أكن أعرف ما يستحق التوقف أمامه، إلا إذا حمل اسم علامة سمعتُ عنها من قبل. وقد تقودني إضاءة قوية إلى متجر مألوف، مع أن متجراً آخر، في ممر جانبي، قد يعرض ما هو أجمل وأفضل. لكنني، بعد طول المشي، لم أعد أبحث عن الأفضل؛ كنتُ أبحث عن مقعد وشربة ماء. كان «المول» متاهة بورخيسية تتحول من البضائع... كانت الوفرة فيها مسارات تفضي إلى الضياع وضلال السبيل.

تذكرتُ تلك الرحلة، بعد أربعة عقود، وأنا أقلّب حسابي على منصة «إكس»: مَن أتابع؟ ماذا أقرأ؟ ولماذا تضع الخوارزمية تغريدة في قمة المشهد، وتترك أخرى تموت في الطريق من دون أن يقرأها أحد؟ كيف سقطت تلك التغريدات؟ وهل أصبحت نفايات لأنها رديئة، أم صارت رديئة في نظرنا لأن أحداً لم يرها؟ وهل كل ما ترميه الخوارزمية خارج مجال الرؤية نفايات فعلاً، أم أن بينها جواهر لم تصل إليها الإضاءة، ولم يُصِبْها فيروس التكرار؟

كنتُ يومها في الجامعة، وكانت ما بعد الحداثة تدخل قاعات الدرس الأميركية. جئتُ من عالم السرديات الكبرى: القصص القرآني، والسيرة، وأبو زيد الهلالي، والزير سالم؛ حكايات لا تروي حياة الفرد وحده، بل تمنح الجماعة أصلاً ونسباً ومعنى. ثم قيل لنا إن زمن السرديات الكبرى انتهى، وإن لكل جماعة، بل لكل فرد، سردية صغيرة لها حق الكلام وشرعية الاختلاف. قرأنا ليوتار في «الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة»، ودريدا في «الكتابة والاختلاف». وكتبت على السبورة ذات يوم أحداثاً مفصلية في قريتنا غيّرت حياة الناس لم يسمع بها الطلاب الغارقون في السرديات الكبرى للحروب العالمية وما بعدها. كنتُ يومها قد اشتريتُ منهجية ما بعد الحداثة.

جاءني صديق من كندا وقال: «الحوار الأكاديمي في كندا ليس مثلكم، بل عن مدرسة فرانكفورت، وأولريش بيك، وأنتوني غيدنز والحداثة الانعكاسية». ودخلنا المتاهة. قلتُ له: «ربما يتطلب الأمر تجاهل الاثنين والعودة إلى ماركس وأنماط الإنتاج؛ إذا تغيرت وسائل إنتاج المعنى، فعلينا أن نسأل: مَن يملكها؟!».

لم يعد الاقتصاد السياسي متعلقاً بمن يملك المصنع وحده، بل بمن يملك أدوات إنتاج الصور وتوزيع الأفكار وتحديد ما يستحق الانتباه.

ثم جاءت التسعينات، وجاء الإنترنت. تعرفت إلى غوفر، ثم البريد الإلكتروني، وتعلمتُ كتابة الأكواد التي أظهرت أول صورة لي على الإنترنت، فكنتُ من أوائل أساتذة جورجتاون الذين امتلكوا صفحة شخصية على الإنترنت. بدا الأمر تحريراً من الصحيفة والناشر والتلفزيون.

ظهرت بعد ذلك شركات تصميم الصفحات، ثم «فيسبوك» والمنصات الأخرى، وبدا أن نبوءة ما بعد الحداثة قد تحققت: ماتت القصة الواحدة، وصار لكل إنسان منبر وصورة وحكاية. قال بودريار إن العلامة قد تسبق الأصل وتحل محله، وشرح فوكو كيف تنتج السلطة أنظمة الحقيقة، وفتح دريدا النص على اختلاف لا ينتهي. لكن ما لم ننتبه إليه أن تفتت الحكايات على مستوى المحتوى صاحبه تركّز للسلطة على مستوى التوزيع.

فالخوارزمية لا تكتب السردية الكبرى القديمة، ولا تأمرك بتصديق قصة واحدة. إنها تفعل ما هو أخطر: تقرر أي القصص يظهر، وبأي ترتيب، وكم مرة، ولمن. عند فوكو هذه سلطة تنظم مجال الرؤية، وعند فيبر عقلنة تحول الإنسان إلى أرقام قابلة للحساب. ويسميها دولوز تحكماً لا يغلق الباب... يتغير الطريق تحت أقدامنا. أما عند هابرماس فكانت استعماراً للمجال العام، لأن المنصة لا تستضيف النقاش فقط؛ إنها تصمم الإطار الذي يسبق النقاش. ويعيدنا ماركس إلى السؤال المحرج: مَن يملك المنصة والبيانات والرقائق ومراكز الحوسبة؟

كان أحد أهلي في البر الغربي يستطيع اختصار هذا التاريخ الفلسفي كله بمشهد من استوديو التصوير على الضفة الشرقية من النيل. يحمل المصوّر شريطاً عليه عشرات الوجوه: موتى وعرسان وأطفال وأبواب. الصور كلها موجودة، لكنه يختار واحدة فيكبّرها ويثبتها في المحلول ويُخرِجها إلى النور، ويترك غيرها سالبة في العتمة حتى تأكلها الرطوبة. وبعد زمن يظن الناس أن الصورة المكبرة كانت الصورة الوحيدة الموجودة على الشريط.

وكان سيقول إن الحكايات تشبه عيال زمان في منطقة نقادة: يولدون معاً، لكن بعضهم تخطفه الحمى، وبعضهم يبلغ ويواصل حمل اسم البيت. غير أن موت الأطفال قضاء. أما الحكايات فلها الآن غربال لا نرى يد صاحبه. يقول دارون إن البيئة تنتخب الأقدر على البقاء؛ أما الخوارزمية فتصنع البيئة، ثم تنتخب الأصلح لها. تثير الاهتمام حول قصة، ثم تدّعي أنها رفعتها لأن الناس اهتموا بها؛ تكبّر الصورة لأنها مشهورة، وتجعلها مشهورة لأنها كبّرتها.

هنا تغيَّر معنى «اليد الخفية». عند آدم سميث كانت استعارة لنتائج اجتماعية تنشأ من أفعال أفراد يسعون إلى مصالحهم من دون مدير مركزي. أما اليد الخفية الجديدة فليست نتيجة غير مقصودة فقط. إنها نظام صُمم ورتّب وقاسَ وتعلّم، وإن ظل غامضاً أمام من يخضعون له. وهو لا يبيعنا البضاعة فحسب، بل يرتب «المول»، ويوجه الإضاءة، ويطيل الممر، ويضع الماء بجوار المتجر الذي يريدنا أن نتوقف عنده.

لهذا لم تعد الرأسمالية الثقافية تكتفي بتحويل الفلسفة المعقدة إلى منتج خفيف. لقد انتقلت من بيع الأفكار إلى انتخابها: تمنح بعضها الضوء والغذاء والتكرار، وتترك بعضها يموت قبل أن يعرف الناس أنه وُلد. الأخ الأكبر الجديد لا يفرض علينا حكاية واحدة؛ يسمح لملايين الحكايات بأن تُولَد، ثم يوزع بينها الأكسجين. وبعد ذلك يقنعنا بأن الحكاية التي بقيت حية انتصرت وحدها، وبأن الطريق الذي رسمه لنا كان اختيارنا الحر، رغم أن الخوارزمية هي التي جعلتنا نتوهَّم هذا الاختيار الحر، الذي لم يكن مطلقاً ضمن خياراتنا قبل دخولنا المتاهة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل الخوارزميَّة هي اليدُ الخفيَّة الجديدة هل الخوارزميَّة هي اليدُ الخفيَّة الجديدة



GMT 05:43 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

من يوجه الرأي العام؟!

GMT 05:42 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

اختلال سياسي

GMT 05:42 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الخريف والشهداء و«الحديقة الأخيرة»

GMT 05:41 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

لماذا الدراسات عن الهُويّة الوطنية؟

GMT 05:35 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الأمم المتحدة... ما قيمة الحق دون حماية؟

GMT 05:34 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

ماذا يعني التغول الحوثي للبنان؟

GMT 05:32 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

فيلم «الست» براءة... والإدانة مستمرة

GMT 05:31 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

كيد النساء!

إطلالات المشاهير في اليوم الوطني السعودي تجسد هوية الوطن برؤية معاصرة

الرياض - صوت الإمارات
تجلت هوية الوطن في احتفالات اليوم الوطني السعودي الـ96 عبر تفاصيل أزياء راقية حملت ملامح الماضي التليد وروح الحاضر واكتست بآفاق المستقبل، حيث تحولت إطلالات المشاهير إلى مساحة إبداعية تعبر عن الانتماء بأسلوب معاصر يجمع بين جماليات العمارة النجدية وتفاصيل اللوك الحجازي وتراث المنطقة الوسطى ورمزية النخيل والتطريزات الأصيلة. وتألقت المهندسة المعمارية الداخلية نوف المنيف بفستان مستوحى من جماليات العمارة النجدية وتفاصيلها المميزة بتصميم يجمع بين الملامح التراثية والخطوط المعاصرة من توقيع المصممة خديجة السنيدي مؤسسة علامة IKH. واختارت المصممة هبة بنت حسان بن حسين فرّاش إطلالة حجازية تستحضر أناقة الماضي بروح حديثة وقدمت قراءة عصرية للإرث الحجازي من خلال النقشات والتطريزات المعبّرة عن ذاكرة المكان والانتماء في جلسة تصوير بعدØ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 04:18 2015 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

عاصفة ثلجية قوية متوقعة على شمال شرق أميركا

GMT 05:00 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

وارنوك يتوقّع توديع كرة القدم مع فريق "كارديف سيتي"

GMT 14:05 2017 الإثنين ,11 أيلول / سبتمبر

تاي ديلينجر يكشف عن رأيه في مواجهة ستايلز في nxt

GMT 10:43 2017 الإثنين ,09 كانون الثاني / يناير

معمر الإرياني ينظّم حملة للتوعية بخطورة التطرف

GMT 20:58 2020 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

ديجون الفرنسي يتجه لضم منديل بشكل نهائي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates