ترميم الحقيقة في زمن «ما بعد الحقيقة»

ترميم الحقيقة في زمن «ما بعد الحقيقة»

ترميم الحقيقة في زمن «ما بعد الحقيقة»

 صوت الإمارات -

ترميم الحقيقة في زمن «ما بعد الحقيقة»

بقلم - مأمون فندي

 

قد يظن البعض أن عالم السوشيال ميديا وتكنولوجيا الجوالات المحمولة يشير إلى تقدم حقيقي، وقد يكون هذا صحيحاً جزئياً، لكنه لا ينطبق على جميع المجتمعات. في السياق العربي، قد تكون التكنولوجيا أحد العوامل المعرقلة، إذ تفتقر المجتمعات العربية إلى التقدم التراكمي المبني على أُسس متكاملة. ففي عالمنا العربي، حيث لم تمر التكنولوجيا بمراحل نضج كافية، نعيش في حالة من القفزات السريعة التي تفتقر إلى التأصيل، مما يؤدي إلى «تحديث التخلف».

لنوضح هذه الفكرة، يجب أن نتأمل مسار الثقافة والإعلام في العالم العربي. على الرغم من التحولات الإعلامية والثقافية التي شهدها العالم العربي، فإن معظم المجتمعات العربية لم تشهد نضجاً حقيقياً في أي مرحلة من مراحل التطور، بل مرّت بتغيرات سريعة، حيث تظهر تكنولوجيا جديدة قبل أن نستوعب السابقة. وهذا يخلق نوعاً من «القفزات» التي لا تبني أساساً معرفياً قوياً، بل يسهم ذلك في انهيار البنية المعرفية.

في الماضي، كانت المعرفة في المجتمعات العربية تُنقل عبر وسائل شفاهية، مثل الحكايات الشعبية، والشعر، والمواعظ الدينية. كانت الكلمة المنطوقة هي وسيلة الوعي الأساسية، والحامل للقيم الثقافية والدينية. في هذا السياق، كان هناك نظام صارم للتحقق من الأخبار، مثل الحديث الشريف الذي يعتمد على التواتر، وهو مشابه لأسلوب الصحافة الحديثة التي تتطلب تعدد المصادر لنشر الخبر. هذه الطرق كانت جزءاً من بناء عالم الحقيقة.

مع دخول المطبعة في بداية القرن التاسع عشر، تراجعت الوسائل الشفهية، وحلّت الكتابة المطبوعة بوصفها وسيلة رئيسة لنقل المعرفة. ورغم أن المطبعة قد هيأت المجال لنقل المعرفة، فإنها كانت محصورة في النخب السياسية والثقافية. ثم جاء اختراع المذياع في منتصف القرن العشرين، الذي أعادنا إلى مرحلة الشفاهة ولكن بشكل جماعي، حيث دخل الصوت كل بيت، لكنه لم يخلق ثقافة نقدية لاستقبال المعلومات، بل كان أكثر وسيلة للترفيه والدعاية السياسية.

في السبعينات والثمانينات، جاء التلفزيون، الذي أضاف الصورة إلى الصوت، لكنه بقي أداة دعاية سياسية أكثر من كونه وسيلة تعليمية. ومع دخول الكمبيوتر في التسعينات، تم دمج النص بالصورة، لكنه اصطدم بمستوى تعليمي وثقافي غير مهيأ، فظل أداة فردية محدودة. وفي منتصف عام العقد الأول من الألفية ظهرت السوشيال ميديا، التي جلبت ثورة كبيرة في سرعة وتنوع المعلومات، لكن ذلك كان من دون حراس بوابات التحرير، ومن دون تدقيق للمعلومات، فتراجعت الحقائق أمام الآراء والصور والعالم الحسي والمشاعر.

ومن هنا أخذ مصطلح «ما بعد الحقيقة» رواجاً، رغم أن المفهوم في صورته الأكاديمية كان أقدم من ذلك بكثير، لكنه أصبح أكثر شيوعاً بعد 2016 في سياقات مختلفة، مثل استفتاء بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، ومجيء دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، حيث شنّ حملة شعواء على الميديا التقليدية التي تلتزم المعايير التحريرية والتدقيق المعلوماتي. في عالم «ما بعد الحقيقة» أصبح الرأي العام رهن التحيزات الشخصية والمشاعر، وابتعدنا كثيراً عن عالم الحقائق الموضوعية.

في العالم العربي، دخلنا عملياً في «زمن ما بعد الحقيقة» قبل 2016؛ لأن بنية الحقيقة نفسها لم تكن قد ترسّخت لدينا. لم تنشأ مؤسسات تحقيق قوية، ولا ثقافة إعلامية ناقدة، وضعفت مهارات التمييز بين الرأي والخبر، والمعلومة والشائعة وضرب الودع على الشاشات.

في هذا السياق تصدق منجّمة مرة في لقاء تلفزيوني فيصدقها العالم، ويخطئ عالم مرة فتضيع سمعة إنجازاته العلمية. منجّم يصيب مرّة واحدة في المائة فتنسحب المصداقية على كل أكاذيبه، ويخطئ عالم مرة واحدة في المائة فتسحب الثقة من 99 في المائة من علمه الذي هو صادق بالفعل، ويُرمى بالكذب.

تحديث التخلف عندنا كان ضحية تلك القوى المعطلة. مفهوم «القوى المعطلة» (disruptive forces) ظهر في التسعينات من القرن الماضي، وفحواه هو أن ابتكارات، مثل الإنترنت والجوالات الذكية، تهدم النظم القديمة، وتستبدلها بواسطة أخرى أكثر رشاقة وتأثيراً. مع مرور الوقت، أصبح هذا المفهوم يشمل مجالات أخرى، مثل الاقتصاد والسياسة والإعلام. في الإعلام، ومن هنا كانت السوشيال ميديا القوة المعطلة الأكبر، حيث أخرجت صناعة الإعلام من يد المؤسسات التقليدية ذات المعايير الصارمة إلى مؤسسات ما بعد الحقيقة، وصفحات «اليوتيوب»، و«فيسبوك»، و«إكس» التي يسيطر عليها أفراد لا يتمتعون لا بالمهنية، ولا بصرامة المعايير.

في حالة العالم العربي لم تسهم القفزات التكنولوجية في بناء بنية معرفية قوية، أو ثقافة التحقق من المعلومة. ومع دخول السوشيال دخلنا عالم النميمة، حيث تكون الشائعات أسرع انتشاراً من الحقائق.

لعب كل من الخوارزميات والكمبيوتر الكموني دوراً كبيراً في هذا التحول، إذ يُروج للمحتوى الذي يثير الانفعال والمشاعر بدلاً من المحتوى الأكثر دقة أو فائدة معرفية. وبذلك تسارعنا من بيئة معرفية هشة إلى بيئة أكثر هشاشة، وصولاً إلى عالم تختلط فيه الحقيقة بالرأي، والمعلومة بالدعاية، والخبر بالشائعة.

أصبح العالم العربي اليوم ضحية قوتين كبيرتين: عالم ما بعد الحقيقة، وعالم القوى التكنولوجية المعطلة التي ظاهرها التقدم وباطنها تخلف براق. ما زالت مقولة عالم الإعلام الكندي ماكلوهان قائمة: «الوسيلة هي الرسالة». ليس مهماً أن تكون لديك تكنولوجيا حديثة، ولكن الأهم ماذا تقول فيها أو تكتب أو تنشر. نحن لدينا أدوات حقيقية ومحتوى ما أحوجه إلى معايير صارمة تأخذنا بعيداً عن عالم ما بعد الحقائق إلى عالم الحقائق، وقد يكون الأمر أفضل لو مكثنا قليلاً في هذا العالم حتى ننضح.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترميم الحقيقة في زمن «ما بعد الحقيقة» ترميم الحقيقة في زمن «ما بعد الحقيقة»



GMT 05:43 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

من يوجه الرأي العام؟!

GMT 05:42 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

اختلال سياسي

GMT 05:42 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الخريف والشهداء و«الحديقة الأخيرة»

GMT 05:41 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

لماذا الدراسات عن الهُويّة الوطنية؟

GMT 05:35 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الأمم المتحدة... ما قيمة الحق دون حماية؟

GMT 05:34 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

ماذا يعني التغول الحوثي للبنان؟

GMT 05:32 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

فيلم «الست» براءة... والإدانة مستمرة

GMT 05:31 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

كيد النساء!

إطلالات المشاهير في اليوم الوطني السعودي تجسد هوية الوطن برؤية معاصرة

الرياض - صوت الإمارات
تجلت هوية الوطن في احتفالات اليوم الوطني السعودي الـ96 عبر تفاصيل أزياء راقية حملت ملامح الماضي التليد وروح الحاضر واكتست بآفاق المستقبل، حيث تحولت إطلالات المشاهير إلى مساحة إبداعية تعبر عن الانتماء بأسلوب معاصر يجمع بين جماليات العمارة النجدية وتفاصيل اللوك الحجازي وتراث المنطقة الوسطى ورمزية النخيل والتطريزات الأصيلة. وتألقت المهندسة المعمارية الداخلية نوف المنيف بفستان مستوحى من جماليات العمارة النجدية وتفاصيلها المميزة بتصميم يجمع بين الملامح التراثية والخطوط المعاصرة من توقيع المصممة خديجة السنيدي مؤسسة علامة IKH. واختارت المصممة هبة بنت حسان بن حسين فرّاش إطلالة حجازية تستحضر أناقة الماضي بروح حديثة وقدمت قراءة عصرية للإرث الحجازي من خلال النقشات والتطريزات المعبّرة عن ذاكرة المكان والانتماء في جلسة تصوير بعدØ...المزيد

GMT 21:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 04:18 2015 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

عاصفة ثلجية قوية متوقعة على شمال شرق أميركا

GMT 05:00 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

وارنوك يتوقّع توديع كرة القدم مع فريق "كارديف سيتي"

GMT 14:05 2017 الإثنين ,11 أيلول / سبتمبر

تاي ديلينجر يكشف عن رأيه في مواجهة ستايلز في nxt

GMT 10:43 2017 الإثنين ,09 كانون الثاني / يناير

معمر الإرياني ينظّم حملة للتوعية بخطورة التطرف

GMT 20:58 2020 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

ديجون الفرنسي يتجه لضم منديل بشكل نهائي

GMT 17:38 2018 السبت ,15 كانون الأول / ديسمبر

26 لاعبًا في قائمة "الأبيض" الإماراتي لمعسكر دبي

GMT 22:50 2014 السبت ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

ارتفاع طفيف على درجات الحرارة فى فلسطين

GMT 07:31 2017 الخميس ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

أسوس تستعد لإطلاق لاب توب جديد بنظام ويندوز 10
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates