بقلم : يوسف الديني
لا شكَّ أنَّ تعيينَ الأمير عبدِ العزيز بن سلمان وزيراً للصناعة والثروة المعدنية، إلى جانبِ استمراره وزيراً للطاقة، يأتي ضمنَ تحولات مهمة ومرحلةٍ جديدة في الفلسفة التنموية السعودية، حيث تتلاشى الفوارق والحدود المتوهمة بين الطاقة والصناعة والتقنية؛ بل ورأينا كيف أنَّ التحركاتِ الأخيرة في ملف الطاقة والتعدين شكَّلت تمهيداً لإعادة الصياغة في العلاقة بين الموارد الطبيعية والقدرات الصناعية والاقتصاد الرقمي أيضاً؛ وخاصةً بعد النجاحاتِ الكبيرة، عطفاً على الأرقام في قطاع الطاقة الذي تعتمد عليه الصناعة، فهما مكملان لبعضهما.
الطاقة اليوم ليست قطاعاً يمد المصانع بالكهرباء والوقود فحسب، كما أنَّ الصناعةَ اليوم في عصر التقنية والرقمنة والذكاء الاصطناعي أبعد من مفهومها القديم كونها خطوط إنتاج تقليدية، وبالطبع تطمح السعودية لأن تكون لها الريادة والسبق في هذا المزيج المستقبلي للصناعة والطاقة والذكاء الاصطناعي، والذي يجمع بين خطوط الإنتاج والمناجم وشبكات الكهرباء ومراكز البيانات.
بدا القرارُ للخبراء في مسيرةِ التنمية السعودية استجابةً مستحقةً للتحولات التي طرأت على ملفِ الصناعة المستقبلية الذي لن يقتصرَ على النفط والغاز والبتروكيماويات والحديد والألومنيوم؛ وهي منتجات مهمة وأساسية، لكنَّها ستشمل أيضاً قطاعات جديدة تحرص الرياض على أن تكون سبّاقةً في استقطابها وتحويلها إلى صناعات وطنية بأيدي شبابها وفتياتها؛ ومن ذلك: الرقائق الإلكترونية، وأشباه الموصلات، ومراكز البيانات، والبطاريات، وتقنيات تخزين الطاقة، والمركبات الكهربائية، والروبوتات، وأنظمة التبريد المتقدمة، وكل المنتجات فائقة التطور التي تستخدم عادة في إنتاج الطاقة المتجددة. وهذه كلها صناعات تتداخل فيها الطاقة بالمعادن بفتوحات التقنية، ومن هنا مركزية القرار واتحاد الرؤية الخاصة للقطاع ضمن «رؤية 2030»، التي تطوّر من نفسها بشكل دوري، سيتحولان مع الوقت إلى عائق أمام سرعة الإنجاز، ولذلك فإنَّ توحيد القيادة الاستراتيجية للطاقة والصناعة والثروة المعدنية، من شأنه اختصار المسافة في الطريق إلى مستقبل صناعي مختلف وفق استراتيجيات تراعي هذه التحولات والتداخل في القطاع.
من يراجع كل هذه التحولات الكبرى في قطار المستقبل السعودي الذي تعد «رؤية 2030» محطة أساسية تتلوها محطات وآمال عريضة ومستهدفات كبيرة، يدرك أنَّ من أهم سمات فلسفة التنمية في السعودية، «الحيوية»، والقدرة على التجدد والمراجعة والتطوير، وخصوصاً بعد أن نضجت الهياكل الأساسية لمشاريع الرؤية، وبدأت الأهداف والنتائج تتوالى سريعاً، وهو ما يشار له عادة في السياسات العامة بمفهوم «القدرات الديناميكية»، وقدرة المؤسسة على استشعار التحولات وإعادة ترتيب مواردها بما يتناسب مع التحديات الجديدة؛ والمؤسسات الفاعلة والحيّة هي التي تحافظ على أهدافها لكن تراجع وسائلها بشكل دائم.
القرار يعكس انتقالاً مهماً في الفلسفة التنموية السعودية ضمن التكيّف مع التحولات المعقدة التي يعيشها العالم مع حالة اللايقين، التي بدأت منذ مرحلة «كورونا»، ثم في الحروب الفوضوية ذات التأثير على الاقتصاد الدولي وممرات الطاقة؛ هذا الانتقال يمكن قراءته في مسألة مهمة التحول من مرحلة بناء الاستراتيجيات القطاعية بعد نضجها إلى مرحلة تدشين المنظومات الكبرى، ومنها منظومة الطاقة والصناعة المستقبلية، والنظر إليها باعتبارها سلسلة واحدة تبدأ من باطن الأرض إلى مصادر الطاقة، مروراً بالمصانع والمختبرات ومراكز الحوسبة، لتنتهي بمنتج وطني سعودي متقدم قادر على المنافسة في الأسواق العالمية.
والحال أن ثمة تجاربَ دوليةً تؤكد هذه التكاملية التي عكسها القرار بهدفِ إحداث قفزاتٍ صناعية كبرى وفق «المنظومات الكبرى» التي تعمل بشكل مختلف عن القطاعات المتجاورة، وربما كانت تجربةُ اليابان إحدى أهم التجارب التي يمكن الإشارة إليها في هذا السياق، لا سيما عقب تراجع مكانة اليابان وموقعها في قطاع أشباه الموصلات، الأمر الذي حدا بطوكيو إلى أن تقومَ بمراجعة للسياسات، بل وتحويل الملف إلى قضية وطنية متصلة بالأمن والسيادة التقنية، وقامت ببناء استراتيجيات حديثة حول الرقائق والذكاء الاصطناعي وأمن سلاسل الإمداد.
خلاصة القول إنَّ الرؤيةَ التي نعيشها بوصفها واقعاً يومياً وليس نظريات، لا تستنسخ تجاربَ جاهزة، بل تطوّر نموذجها الخاص انطلاقاً من مزاياها التنافسية، وموارد المملكة الهائلة التي تتقاطع فيها الجغرافيا بخيرات الأرض بالموقع الحيوي، وبالقدرة الكبيرة على التناغم مع إيقاع التحولات العالمية، ويبقى الثابت الأهم في هذه الفلسفة التنموية «الاستثمار في الإنسان السعودي»، والسعي لتعميق فضيلة الاستقرار التي باتت جزءاً من الحمض النووي الثقافي للسعوديين واعتزازهم ببلادهم.