أمريكا وعقدة الشرق الأوسط

أمريكا وعقدة الشرق الأوسط

أمريكا وعقدة الشرق الأوسط

 صوت الإمارات -

أمريكا وعقدة الشرق الأوسط

بقلم: عبد المنعم سعيد

يبدو أن هناك فرصة لدى الولايات المتحدة لكى تتخلص من «عقدة ثوسيديديس» التى تخص الصين ونموها ودخولها إلى نادى القوى العظمى ذات التأثير فى العالم. فالفارق بين الدولتين لا يزال كبيرا حيث الناتج المحلى للدولة الأمريكية 32 تريليون دولار مقابل 21 تريليونا للصين. ومهما كان هذا الفارق يتضاءل نظرا للسرعة الصينية فى التقدم فإن ذلك سوف يستغرق زمنا تبدو فيه الصين متمسكة بحالة مثالية للكمون الاستراتيجى الذى يكتفى بالبيانات التى تدين أو تشيد، وطالما أن «تايوان» لا تزال عُرفيا جزءا من الصين فإن كل ما عدا ذلك محض تفاصيل. فك العقد على أى الأحوال يبدو ممكنا فى الحالة الصينية التى قد تكون مفيدة فى النهاية بسوقها الواسعة، وقدرتها على ترويض حليفها الروسى فيما قام به من كارثة أوكرانيا.

لكن الدولة فى عيد احتفالها بمرور 250 عاما على قيامها تعانى بشدة من «العقدة الشرق أوسطية» التى تتحرك فيها أمريكا بين سوءات التورط وآلام الخروج. القرن الأول من الدولة كان مختصرا فى العزلة؛ وإذا كان اهتمام فقد كان بالنطاق الغربى الذى يحتوى الأمريكتين؛ بحيث كان نصيب الشرق الأوسط مزيجا من «التبشير» و«التنوير» ومقاومة القراصنة. القرن الثانى كان أكثر تعقيدا خاصة بعد قيام دولة إسرائيل واندفاع واشنطن للاعتراف بها فى ائتلاف تاريخى مع الخصم الجديد: الاتحاد السوفيتى.

فى العموم فإن القرن الثانى لم يشهد فقط الظهور الأمريكى إلى العالم كقوة حاسمة فى الحرب العالمية الأولى والثانية، وإنما أكثر من ذلك القدرة على التفكير من أول مبادئ الرئيس ويلسون المثالية، وحتى البناء الضخم بعد الحرب الثانية حول الأمم المتحدة التى تستوعب الأعادى القدامى مثل ألمانيا واليابان وإيطاليا، كما تخلق جسورا مع القوى العالمية الجديدة للاتحاد السوفيتى وأتباعه فى الوقت الذى تمارس فيه حربا باردة. فى هذه الأخيرة وقعت واشنطن فى سلسلة من المآزق مثل الحرب الكورية التى انتهت بتقسيم؛

وللعجب الحرب الفيتنامية أيضا التى طالت أكثر مما ينبغى وانتهت بهزيمة. فى الشرق الأوسط كانت الولايات المتحدة تكتشف النفط وتعرف كيف تستخدمه فى صناعات القرن العشرين؛ ومعه باتت تعرف أهمية الموقع الإقليمى الشرق أوسطى وممراتها البحرية والجوية. المأزق الذى وصلت فيه الولايات المتحدة كان أن مصالحها الاستراتيجية فى إطار الحرب الباردة أو الوفاق أو الحرب الباردة مرة أخرى حتى وصلنا إلى النصف قرن الأخير من الحياة الأمريكية كانت واقعة مع العالم العربى. هذه المصالح تراكمت على مدى العقود مع الدول العربية والشرق أوسطية الأخرى؛

ولكنها كانت مسمومة بطرف ثالث هو الدولة الإسرائيلية التى قامت على أكتاف ما كان معروفا فى الأدب السياسى الغربى بالمسألة اليهودية حينما تعرض اليهود للإبادة الجماعية والمحرقة النازية الإجرامية.

ورغم أنه كان مشروعا للعرب رفض دفع أثمان جرائم غربية فإن كثيرا من الأسباب جعلت من الممكن استيعاب إسرائيل داخل المنطقة بالتعاون مع الولايات المتحدة من خلال اتفاقيات للسلام مع ست دول عربية جرت بعد حروب الصراع العربى الإسرائيلى وطوال الوقت من الحرب الفلسطينية الإسرائيلية. العقدة التى تجاهلت الولايات المتحدة حلها هى أن هناك فارقا كبيرا بين إسرائيل وفق قرار التقسيم 1947 الذى اعترفت واشنطن بإسرائيل على أساسه؛ وقيام إمبراطورية إسرائيلية توسعية؛ أصبحت الآن وفقا للقيادة السياسية الإسرائيلية لا تكف عن التوسع وضم الأراضى العربية، وإقامة المستوطنات على الأرض الفلسطينية طوال الوقت تحت شعارات إمبريالية قوامها «إعادة ترتيب الشرق الأوسط» وإقامة «إسرائيل الكبرى» وفى الطريق ابتلاع فلسطين كلها. مثل ذلك لم يكن كافيا لإغضاب العرب، والمسلمين، وإنما إثارة كل أشكال البغضاء والكراهية التى تولدها الحروب الدينية.

باختصار فإن الغلو الإسرائيلى الذى بات قائما على أصوليات دينية مدعومة بقدرات عسكرية نووية وتقليدية فجر بدوره ردود فعل إسلامية.

الحرب الراهنة التى دخلتها الولايات المتحدة مع إيران نتج عنها تهديد انسياب ثروات النفط العربية إلى الأسواق العالمية من خلال التلاعب بمضيق «هرمز» الدولى حتى ارتبك الاقتصاد العالمى. الحقيقة أن هذه الحرب هى مركب حرب غزة الخامسة، وحرب الخليج الرابعة، وكلاهما قام على أكتاف ذلك التناقض التاريخى الذى خلقته إسرائيل التى لا تريد السلام مع المنطقة الشرق أوسطية وإنما السيطرة عليها وهيمنتها، ودفعها دفعا إلى حالة من السباق على أسلحة الدمار الشامل.

مشهد الحرب التى بدأت تحت القيادة الإسرائيلية الفعلية وضع الولايات المتحدة فى مأزق عقدة كبيرة بين مصالحها فى منطقة تعيش فى سلام ووئام وبين النزعات الإسرائيلية التى لا تبالى من عمليات الإبادة الجماعية فى غزة وجنوب لبنان. النزق الإسرائيلى ولد أشكالا أخرى من التوتر فى المنطقة نتيجة خلق سباق نووى، وسباق تسلح فى كل أشكاله، وتهديد اتفاقيات السلام القائمة بالفعل والتى باشرت وجودها الولايات المتحدة ثم تعود الآن لمباشرة مفاوضات بشأنها لوقف إطلاق النار ثم البحث عن إطارات معقدة للمضى قدما نحو السلام الذى لا يَخْلو فى الإطار الإسرائيلى من التسليم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمريكا وعقدة الشرق الأوسط أمريكا وعقدة الشرق الأوسط



GMT 22:45 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

بلا نهاية

GMT 22:45 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

هل هي لحظة مناسبة في اليمن؟

GMT 22:44 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

الصناعة المستقبلية و«رؤية 2030»

GMT 22:42 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

في مسؤولية التنفيذ الناجح لـ«الاتفاق الإطاري»

GMT 22:39 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

الذئب الذئب

GMT 22:38 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

احتكار اللعبة

GMT 22:37 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

الحرب المتقطعة

GMT 23:24 2026 الإثنين ,13 تموز / يوليو

إنه يُلدغ مرتين

GMT 06:16 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

ضغوط مختلفة تؤثر على معنوياتك أو حماستك

GMT 08:38 2020 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

يبدأ الشهر مع تلقيك خبراً جيداً يفرحك كثيراً

GMT 21:40 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

يتحدث هذا اليوم عن بداية جديدة في حياتك المهنية

GMT 21:13 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

إنعمي بليلة فندقية في "التلفيريك" السياحي

GMT 09:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

فندق لمكافحة الإجهاد في مايوركا للنساء فقط

GMT 12:14 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 02:37 2018 السبت ,01 أيلول / سبتمبر

"تكريم هاني شاكر في "مهرجان القلعة للموسيقى

GMT 18:57 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 02:56 2019 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

فيتيل يوضح إذا كنت جيدا بما يكفي فإنك ستظل شابا بالشكل الكافي

GMT 22:39 2019 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

فنادق فخمة أقامت فيها العائلة الملكية البريطانية

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 01:33 2019 الأربعاء ,09 كانون الثاني / يناير

كيم جونغ أون يصل بكين في زيارة مفاجئة لمدة 4 أيام
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates