سردية الاستقرار في مواجهة خرائط الانفصال

سردية الاستقرار في مواجهة خرائط الانفصال

سردية الاستقرار في مواجهة خرائط الانفصال

 صوت الإمارات -

سردية الاستقرار في مواجهة خرائط الانفصال

يوسف الديني
بقلم : يوسف الديني

يمكن قراءة المشهد الإقليمي والدولي اليوم من زاوية جيو-استراتيجية وتاريخية أكثر عمقاً، حيث نحن أمام صراع بين مشروعين متناقضين لا يمكن أن يلتقيا بسبب حالة الانسداد البنيوي لمشروع إسرائيلي هجين يرفع شعار السلام، لكنه يستطبن مشروعاً تقويضياً مضاداً للسيادة، ويحاول تسويق ذاته بتحالفات غير قابلة للعيش، لأنها مبنية على إنكارٍ متواصل لحقائق الجغرافيا السياسية، وتجاهلٍ عنيد للتاريخ بوصفه ذاكرة جمعية لا تُمحى بالقوة، وتعاملٍ انتقائي مع مفاهيم السيادة والشرعية والعدالة.

في المقابل، يقف هذا المشروع الهجين، أمام مشروع ممتد تمثله السعودية اليوم، ومعها دول إسلامية وازنة، لا بوصفه محوراً آيديولوجياً؛ بل هو مشروع رغم الفروق قائم على تحالف سردية واضحة «السيادة»، حيث ترى هذه الدول أن الاستقرار لا يُصنَع بالقوة ولا بتفكيك الدول؛ بل بإعادة الاعتبار للدولة الوطنية، ووحدة الجغرافيا، وربط الأمن بالتنمية بوصفهما شرطين متلازمين.

ما كان يُدار لعقود مضت تحت مظلة «الاستثناء الإسرائيلي» بوصفه حالة خاصة داخل النظام الدولي، بات اليوم عبئاً سياسياً وأخلاقياً يتآكل من الداخل، في لحظة تاريخية تتقدم فيها سردية بديلة ترى أن ما بعد غزة، وربما ما بعد سوريا، لا يحتمل ترف التجزئة ولا هندسة الانفصال، وكل ما تبع ذلك في السودان، أو يحاول أن يتم في اليمن هو جزء من ذلك الانسداد البنيوي تجاه فكرة الاستقرار والسيادة.

الاستثناء الإسرائيلي، الذي شكّل جزءاً ثابتاً من هندسة السياسة الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة، لم يكن مجرد تحالف عسكري أو تفضيل دبلوماسي، بل كان عقد شرعية ضمنياً. إسرائيل قُدِّمت بوصفها «ديمقراطية استثنائية» في محيط مضطرب، ما سمح بمنحها قواعد خاصة وتعليق ما لا يُعلّق عن غيرها. غير أن حرب غزة كسرت هذا العقد على مستوى التاريخ السياسي، لا بسبب التكلفة الإنسانية وحدها؛ بل لأن «الديمقراطية الشكلانية» فقدت قدرتها على إخفاء واقع القوة حين تنفصل عن العدالة. العناد الإسرائيلي تجاه الجغرافيا؛ من غزة إلى الضفة، وتجاه التاريخ، وتجاه فكرة السيادة الفلسطينية ذاتها، جعل المشروع يبدو كأنه يعيش خارج الزمن الجيوسياسي، يراكم تفوقاً، لكنه يستنزف رصيده من الشرعية طويلة الأمد، ويغذّي تصورات التفكيك بدل أن ينتج أفقاً للحل أو للاستقرار أو حتى للسلام، فضلاً عن المشاريع المضادة للهويّات الخاصة؛ ومنها «المشروع الإبراهيمي» الهجين أيضاً، والمحمل بمضامين أقرب للشعارات منه للواقعية.

السعودية باعتبارها اللاعب الأهم ومعها الدول الكبرى في الإقليم، تسعى إلى تحالف غير صدامي ومن دون ادعاء أو تدخل في شؤون الدول، وإلى مشروع استقرار وإعادة موضعته باعتباره مصلحة إقليمية ضرورية لبناء شراكات تنموية، بعيداً عن الشعارات التي تستطبن مشاريع انفصالية، هذا المشروع لا يصدر نموذجاً؛ بل يستند إلى أولويات لا يمكن التنازل عنها، باعتبارها محددات جيو-استراتيجية واضحة وبسيطة: أولوية الدولة الوطنية، ووحدة الجغرافيا السياسية، وربط الأمن بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

هذه الثلاثية ليست شعارات أو نظرية؛ بل سياق واقعي وعملي نراه اليوم رغم التحديات يحاول تصحيح ملفات إقليمية حساسة. في اليمن، جرى التحول تدريجياً من منطق إدارة الحرب إلى منطق احتواء التفكك، ومنع تحوله إلى كيانات وظيفية. وفي السودان حيث بات واضحاً أن استمرار الصراع لا يخدم إلا اقتصاد الانهيار، وأن أي أفق للاستقرار يمر عبر إعادة بناء الدولة، لا عبر شرعنة سلطات أمر واقع أو مشاريع انفصال مقنّعة. وحتى في ملفات مثل «أرض الصومال»، يتقدم خطاب عربي وإسلامي سيادي يرى أن تكريس الانفصال ليس حلاً للاستقرار؛ بل وصفة لتعميم العدوى التفكيكية في الإقليمين العربي والأفريقي معاً.

ما بعد غزة سيكون اختباراً أوسع لهذين النهجين؛ ليس أخلاقياً فقط بل جيو-استراتيجياً. في عدد من الدول؛ من اليمن إلى السودان وسوريا ولبنان، وكلها تقف عند مفترق تاريخي بعد سنوات من الحرب والتدخلات، مرشحة لأن تكون ساحة مركزية لهذا الاشتباك بين السرديتين، حيث المشروع الإسرائيلي الانفصالي، الذي استفاد طويلاً من بيئات التفكك والفوضى، بوصفها هوامش مناورة أمنية، ومشروع الكتلة الإقليمية من الدول السيادية الذي يتشكل وتقوده السعودية برؤية واضحة، ترى أن إعادة إنتاج الدول، لا تفكيكها، هي شرط الأمن الإقليمي. هذا الانسجام لا يعني تطابقاً كاملاً في الرؤى أو المصالح بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان، لكنه يعكس تقاطعاً متزايداً حول قاعدة أثبتها تاريخ القرن العشرين: الاستقرار لا يُبنى على كيانات هشة، ولا على هويات انفصالية، ولا على جغرافيا تُدار من الخارج.

العامل الحاسم الذي يسرّع هذا التحول هو تراجع الاستثناء الإسرائيلي على مستوى السردية العالمية؛ لا فقط على مستوى السياسات. الأجيال الجديدة، خصوصاً في الغرب، لم تعُد تنخدع بسهولة بالشعارات التي تفصل بين القيم والممارسة. ما عاشته هذه الأجيال من عدمية أخلاقية في غزة؛ من صور القتل والحصار والتجويع بلا أفق سياسي، خلق وعياً جديداً أكثر صرامة، هو رفض تحويل القانون الدولي إلى أداة انتقائية، ورفض تبرير القوة لمجرد أنها صادرة عن حليف.

تتزامن هذه التحولات مع لحظة مواتية على المستوى الدولي أهمها الصعود الصيني، بما يحمله من قدرة على إنتاج نتائج دبلوماسية واقتصادية خارج الأطر الغربية التقليدية، يكسر احتكار الوساطة والشرعية. وفي أوروبا، يتعاظم شعور بالخذلان من السياسات الأميركية المتقلبة، ومن العجز عن التأثير الحقيقي في مسارات الحرب والسلام، مما يفاقم حالة إحباط وسخط تجاه ازدواجية المعايير وصلف السلوك الإسرائيلي. عالمياً، تتسع دائرة الاستياء من ممارسات إدارة ترمب التي تتعامل مع القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، بوصفها عوائق لا أطراً ناظمة. صحيح أن هذه الممارسات قد تعطي انطباعاً بمحاولة بناء «عصر قوة» قائم على الصفقات والإجراءات الاقتصادية الأحادية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه قدرة هائلة على التحشيد العكسي، لأنها تمهّد لعالم غامض ما بعد النظام الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، عالم فراغ لا يحتمل الاستمرار طويلاً.

الرياض اليوم تتحرك بمنطق التوازن لا الصدام، وتجد نفسها في موقع يسمح لها بجمع أطراف متباعدة حول قاعدة واحدة: لا تنمية بلا دولة، ولا دولة بلا سيادة، ولا سيادة مع مشاريع التفكيك. هذا ما يجعل التحالفات المتوقعة بينها وبين مصر وتركيا، ومع امتدادات باكستانية، تحالفات دول سيادية لا سلطوية، تُعرّف نفسها بما ترفضه بقدر ما تُعرّف نفسها بما تسعى إليه: رفض الفوضى، ورفض الخرائط الصغيرة، ورفض تحويل المآسي الإنسانية إلى أدوات ابتزاز سياسي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سردية الاستقرار في مواجهة خرائط الانفصال سردية الاستقرار في مواجهة خرائط الانفصال



GMT 05:59 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ظهور دجال آخر الزمان!

GMT 05:54 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

المواصلات العامة

GMT 05:51 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

إلى أي مدى سينجح مجلس السلام في صناعة بديل؟

GMT 05:48 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

GMT 05:46 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 06:12 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يتعهد بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة
 صوت الإمارات - نتنياهو يتعهد بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة

GMT 23:33 2018 السبت ,29 كانون الأول / ديسمبر

روجيه لومير يعود إلى تدريب النجم الساحلي التونسي

GMT 15:08 2017 الأحد ,10 كانون الأول / ديسمبر

طارق الشناوي يكشف أسرار الأعمال الفنية على قناة أون بلس

GMT 12:10 2013 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

ابنة مانديلا : والدي يقاتل المرض ببسالة على "فراش الموت"

GMT 21:52 2019 الخميس ,04 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء متوترة خلال هذا الشهر

GMT 11:44 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 23:16 2018 السبت ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

صلاح خاشقجي يقيم مجلس عزاء لوالده في جدة

GMT 03:48 2018 الجمعة ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

إلقاء القبض على مسن "91 عاما" لتقبيله زوجته

GMT 14:46 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

تطوير كريم يزيل بُقع الشمس دون ألم

GMT 13:37 2013 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

كتاب جديد بعنوان" العنف الأسري وحقوق المرأة السعودية"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates