تغريد دارغوث إذ ترسم ضد تسليع الكارثة

تغريد دارغوث إذ ترسم ضد تسليع الكارثة

تغريد دارغوث إذ ترسم ضد تسليع الكارثة

 صوت الإمارات -

تغريد دارغوث إذ ترسم ضد تسليع الكارثة

بقلم : نديم قطيش

توظف الرسامة اللبنانية تغريد دارغوث فكرة البطاقات البريدية، التي تحتفي بجماليات الطبيعة والمواقع الأثرية الشهيرة والملامح المندثرة من حيز لبنان المديني، مدخلاً لاستكشاف تصورات اللبنانيين عن ذاتهم الجمعية.

لا يُختلف على الدور الذي تلعبه النوستالجيا في حياة العديد من اللبنانيين، وسيلةً للدفاع عن الذات المهددة. هذا ما تلاحظه دارغوث في هوسهم بماضيهم، في ظل التآكل المستمر للهوية اللبنانية الجامعة. تنبهنا إلى أن الحنين لصور ورموز بعينها هو حالة إنكار جماعية للواقع. مسكنات سيكولوجية أكثر منها عناصر تجسد إرثاً مشتركاً.

لذلك لا تكتفي دارغوث في لوحاتها بنقد تسليع النوستالجيا، من خلال تقديم الأرزة والصخرة والبحر والمعبد وجبران خليل جبران، كـ«كيتش» غارق في الجمالية السطحية والمبالغات العاطفية الخالية من أي قيمة فنية حقيقية. بل تفرض علينا في معرضها الأخير، في صالة صالح بركات في بيروت، امتحان الموازنة بين هذا الإرث الثقافي، والحاجة إلى تجاوزه. من هنا إصرارها أن ترفع صور الكارثة النازلة باللبنانيين وتعلقها جنباً إلى جنب مع صور لبنان المتخيل أو الآفل. لوحات قاسية عن صوامع القمح المترنحة بعد انفجار بيروت عام 2020، أو الطائرات المحطمة والسفن الجانحة، التي تحمل جميعها كنايات عن ترنح وتحطم وغرق البلد برمته.

تصرخ لوحات دارغوث في وجوهنا أن الملمح الأكثر ألفة للبنان في لحظتنا المعاصرة هو ملمح الكارثة الأسطورية التي حلت به، على مراحل عدة، لا رومانسية الماضي المندثر ورموزه البسيطة، التي يراد لها أن تخفي المآسي العميقة في التاريخ الحديث للبلد.

من خلال التجاور المتوتر بين لبنان الكارثة ولبنان النوستالجيا، تدعونا لوحاتها للاعتراف بما آلت إليه الهوية اللبنانية من «فيتشية» (Fetishism) صارخة، أي التعلق الهوسي، بفتات الهوية، وجعل الفتات يقوم مقام الهوية كلها، أكان هذا الفتات صخرةً أو شجرةً أو بحراً.

تجعل دارغوث من أرزاتها صوراً معزولة ومكررة، في مسعى لتجريدها من عظمتها الرومانسية وكشف هشاشتها. تظهر الأشجار في لوحاتها وكأنها متجمدة في الزمن، ومجردة من عمقها الثقافي الأصلي. ترسم لتفضح التسليع النوستالجي، والذاكرة الانتقائية، التي تكتفي بسردية اختزالية للهوية الوطنية تعج بالرموز والتبسيط الاستهلاكي والإفراط الاستعراضي، في ظل الانهيار الحاصل واضطراب معنى أن تكون لبنانياً اليوم.

تشاء الصدف أن يتزامن معرض تغريد دارغوث مع الإعلان عن توقيف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. فسلامة ظل لفترة طويلة خلت يمثل إحدى بطاقات لبنان البريدية الحية التي تحتفي «بعبقرية» الرأسمالية المصرفية، المنتهية إلى أكبر عملية سطو على مدخرات المودعين. كما الحال في تصوير دارغوث للهوية الوطنية المجوفة، ينطوي اعتقال سلامة أيضاً على تجويف موازٍ لفكرة المحاسبة والعدالة. يصعب الاقتناع بأن توقيفه يمثل تحولاً حقيقياً نحو العدالة، بقدر ما يمكن وصفه بتسليع الإصلاح لإنتاج عدالة استعراضية تبقي الخلل الأساسي من دون مساس.

في مواجهة هذا الاكتفاء بالرمزيات والكنايات والاستعراض، تقتحم لوحات دارغوث الذاكرة اللبنانية المعقمة والمختزلة، كما تصورها البطاقات البريدية. من خلال لوحاتها تعيد الاعتبار للمأساة على نحو يسمح لها بتقديم النوستالجيا اللبنانية خلفيةً للصراعات والأوجاع التي تشكل جزءاً أساسياً من تاريخ لبنان، لا كحاجب لها.

ينطوي معرض تغريد دارغوث على رعب فسيح، من احتمال «تسليع الألم» نفسه وتحويل معاناة اللبنانيين، كما تاريخهم، إلى سلعة ثقافية عاطفية قابلة للاستهلاك. تستبق لوحاتها صيرورات معقدة لتنبهنا إلى احتمال أن يتحول الألم إلى «بطاقة بريدية» مرئية تُفصل عن سياقها الأصلي.

يندرج النقد الذي تقدمه تغريد دارغوث للبنان النوستالجي ضمن إرث طويل لليسار اللبناني عمل على تفكيك السرديات الريفية التي روجت للنقاء وبساطة العيش. لكن الفنانة اللبنانية تحاذر أن تقترح سردية بديلة، لطالما استسهلها اليسار، عبر دعوات لتبني الدولة المدنية أو نقد الإمبريالية والطائفية السياسية. على العكس من ذلك تأتي خلاصات دارغوث أقل يقينية وأكثر غموضاً.

صحيح أنها نظرت دوماً إلى السياسة من خلال عدسة يسارية عالمية، وتناولت في أعمالها السابقة مواضيع مثل الإمبريالية الأميركية، والتدمير النووي الوشيك، واستخدام الجماجم رموزاً قاسيةً لعواقب السياسات الأميركية. كما تناولت معاناة فلسطين من خلال توظيف شجرة الزيتون رمزاً لمقاومة الكولونيالية الإسرائيلية، ما جعل النضال الفلسطيني جزءاً لا يتجزأ من فنها. وحتى حين أعملت ريشتها في نقد شيوع عمليات التجميل، جعلت ذلك جزءاً من مقاومتها لإمبريالية رأسمالية تحاول فرض معايير صارمة للجمال والجسد تنطوي على منطق استهلاكي واستعراضي لاغٍ للخصوصيات والفرادة.

بيد أنها في معرضها الأخير، تغوص دارغوث أكثر في أسئلة هويتها الوطنية، مثلها مثل مواطنيها بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 الذي دمر أجزاء كبيرة من مدينتهم وزعزع الكثير من مرتكزات استقرار هويتهم. وأحسب أن هذا التحول من توظيف منظور عالمي واسع في أعمالها إلى التأمل في شأن وطني وشديد الشخصية يمثل لحظة فارقة في مسيرتها. فهو لا يعكس فقط تطوراً في نهجها الفني، بل أيضاً تعمقاً في تعاملها الفكري مع مسألة الهوية وكيفية تركيبها وتفكيكها وإعادة بنائها.

ولعلها عبر شمول تمثال المغترب اللبناني في لائحة الرموز التي اشتغلت عليها، وإنجاز رسوماتها عنه على أقمشة أكياس الرمل المكنية عن الحرب وأزمنتها، تفتح دارغوث باب التساؤل حول مصير الهوية اللبنانية المتشظية. كأنها تحثنا على تأطير رواية الاغتراب اللبناني في إطارها الحقيقي، أي، لا في كونها مادة للاحتفاء، بل في كونها في العمق، إعلاناً عنه انضمام اللبنانيين إلى موجات النازحين الذين تقذفهم المجتمعات المنهارة، والذين إذ يرحلون يحملون معهم صورة أوطان رحلت قبلهم ولن يعودوا إليها.

يجدر الاعتراف ختاماً بأن من أوجه القصور المتأصلة في النقد الفني هو محدودية التأويل ذاته. فالفن غالباً ما يتجاوز الكتابة النقدية التي بحكم طبيعتها تخاطر بتبسيط تعقيداته، وحجب تعددية المعاني الكامنة فيه. وبهذا المعنى، ينطوي التأويل، رغم ضرورته للحوار، على تناقض فاضح، إذا غالباً ما ينتهي إلى الحد من الأفق الذي يطمح إلى توسعته، وهو ما يقتضي الاعتذار من تغريد وصالح ومغامرتهما الجديدة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تغريد دارغوث إذ ترسم ضد تسليع الكارثة تغريد دارغوث إذ ترسم ضد تسليع الكارثة



GMT 23:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

المجتمعات تتغير!

GMT 23:54 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

البابا تواضروس... كل سنة وأنت طيب

GMT 23:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 23:52 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 23:50 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 23:49 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 23:48 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أغلفة الكتب

GMT 23:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ذكرى العدوان الثلاثى!

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030
 صوت الإمارات - الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030

GMT 22:38 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الصين تقترب من شحن السيارات الكهربائية في 5 دقائق

GMT 17:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 18:53 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 19:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 19:17 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 12:22 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تعاني من ظروف مخيّبة للآمال

GMT 04:24 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل العطور المناسبة للعروس الرقيقة

GMT 17:25 2024 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

أفضل المطاعم الرومانسية في مدينة جدة السعودية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates