المشهد من براغ

المشهد من براغ!

المشهد من براغ!

 صوت الإمارات -

المشهد من براغ

بقلم : حسين شبكشي

تابعت معظم الوسائل الإخبارية العالمية التجمعات الكبيرة التي حدثت في قلب العاصمة التشيكية براغ منذ أيام قليلة وتحديداً في ساحة وينسيسلاس التاريخية، والتي قدر عدد المشاركين فيها بأكثر من 70 ألف شخص. وسبب الاهتمام بهذا الخبر هو أن هذه المظاهرات كانت الأكبر والأهم حتى الآن في مدن أوروبا الكبرى، التي خرجت للتعبير عن مخاوف الناس من ارتفاع تكلفة الطاقة بشكل لافت ومقلق، وخصوصاً أن فصل الشتاء الذي عادة ما يكون شديد البرودة اقترب وعلى الأبواب.

وانطلقت الكثير من التحليلات على ألسنة «خبراء» و«محللين» في الفضائيات الإخبارية العربية تصور المشهد في براغ بأنه نهاية للموقف الأوروبي الداعم لأوكرانيا، وأن هذا المشهد ما هو إلا انتصار للرئيس بوتين والموقف الروسي. وهذه القراءة لا تعي ولا تدرك الواقع التشيكي وتاريخ العلاقة المعقدة والمضطربة جداً مع روسيا بشقيها السوفياتي والفيدرالي، لأن ذكريات الشعب التشيكي مع الروس مؤلمة جداً وقاسية للغاية، فالاحتلال السوفياتي لبلادهم عقب التقسيم القسري للدول الأوروبية بين المعسكرين الشرقي والغربي في نهاية الحرب العالمية الثانية كان بمثابة الصدمة الحضارية العظمى، التي وأدت أحلام وطموحات التشيك الحالمين بالإبداع والحرية، وهم الشعب الذي انطلقت منه الحركة البوهيمية الإبداعية التي أخذت من اسم أكبر المقاطعات التشيكية «بوهيميا» اسماً لها، وبلغت هذه القسوة ذروتها في نهاية حقبة الستينات الميلادية من القرن الماضي عندما حصل التدخل العنيف من السوفيات بالدبابات على براغ لقمع المطالب بالاستقلال عن الهيمنة السوفياتية.

والتشيك هم جزء من الأمة السلافية التي ينتمي إليها كل من روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وصربيا وكرواتيا وسلوفاكيا وبولندا، وبالتالي لم يكن غريباً أن تكون إحدى أكبر الدول الداعمة لأوكرانيا ضد الاجتياح الروسي عليها، وقدمت الملاذ الآمن لأكثر من 40 ألف أوكراني على أرضها، وسخّرت لهم المنازل والمدارس والمنظومة الصحية، بالإضافة إلى الدعم العسكري والإغاثي لحكومتهم.

وكانت مظاهر هذا التأييد العارم على الصعيدين الحكومي والشعبي بمبادرات رسمية وفردية على أكثر من صعيد وفي أكثر من مجال. ومن المعروف أن الجمهورية التشيكية مثلها مثل غيرها من معظم الدول الأوروبية كانت تعتمد وبشكل رئيسي على احتياجاتها من الطاقة على استيراد الغاز الروسي، ومع تداعيات الأزمة بين روسيا وأوكرانيا كان الارتفاع القياسي لتكلفة الغاز الروسي على القارة الأوروبية بشكل عام، وهو الأمر الذي انعكس بشكل سلبي للغاية على معدلات التضخم التي وصلت لمستويات قياسية عُليا، وأدى ذلك إلى انكماش اقتصادي حاد في ألمانيا قلب الاقتصاد الأوروبي التي، تشكل وحدها أكثر من 24 في المائة من سوق التصدير التشيكية. وعليه فمن المهم جداً التأمل في مشهد التجمعات التي حصلت في براغ والتعامل معها على أنها موقف شعبي من التداعيات الاقتصادية التي حصلت وتكلفتها الباهظة، وهي مشاهد من الوارد جداً تكرارها في عواصم أوروبية أخرى سيكون لها ثمن سياسي على ما يبدو.

ورغم كون الجمهورية التشيكية لا تعتمد على اليورو كعملة رسمية لها؛ لأنها من اليوم الأول اعتمدت على عملتها الوطنية الكرونة، فإن التداعيات السلبية العميقة في قيمة اليورو كان لها الأثر عليها وعلى اقتصادها كسائر دول القارة، مع ضرورة الملاحظة أن البنك المركزي التشيكي يعتبر من أنجح البنوك المركزية الأوروبية في حفاظه على سياسة نقدية متوازنة. القارة الأوروبية اختارت قراراتها بإنهاء الاعتماد على الغاز الروسي، وحصلت تحولات في غاية الأهمية في مشاهد الطاقة في أوروبا، وأصبحت النرويج اليوم هي المورد الأول للدول الأوروبية، وعادت المحطات النووية للعمل مجدداً في أكثر من دولة أوروبية لإنتاج الطاقة بعد توقيفها عن العمل منذ فترة غير بسيطة من الزمن، كما عادت مناجم الفحم للعمل مجدداً كمصدر لإنتاج الطاقة. ورمزية ما يحدث في الجمهورية التشيكية مسألة في غاية الأهمية؛ لكونها الدولة التي ترأس حالياً مجلس الاتحاد الأوروبي.

هناك تكلفة اقتصادية كبيرة هذا الشتاء ستتحملها الاقتصادات الأوروبية رغم تزايد الألم الشعبي الواضح، ولكن أوروبا التي عانت من مرارة ومآسي حربين عالميتين في قلب حدودها لديها كل الأسباب للقلق والخوف من حرب روسيا على أوكرانيا وتداعيات تلك المسائل عليها، وهذا قد يفسر المواقف التي اتخذتها حكوماتها. ولعل التعليق المختلف ولكنه البليغ في آن هو ما قدمه أحد المعلقين الإخباريين التشيكيين معلّقاً على الأحداث الأخيرة في بلاده، فقال مستشهداً بمقولة للكاتب التشيكي الأشهر فرانز كافكا: «ابدأ بما هو صحيح بدلاً بما هو مقبول».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المشهد من براغ المشهد من براغ



GMT 02:30 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السادة الرؤساء وسيدات الهامش

GMT 02:28 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«وثائق» عن بعض أمراء المؤمنين (10)

GMT 02:27 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

من يفوز بالطالب: سوق العمل أم التخصص الأكاديمي؟

GMT 02:26 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

روبرت مالي: التغريدة التي تقول كل شيء

GMT 02:24 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية وفشل الضغوط الأميركية

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates