تشومسكي وسلالته

تشومسكي وسلالته

تشومسكي وسلالته

 صوت الإمارات -

تشومسكي وسلالته

بقلم - سوسن الأبطح

 

تختلف الأحكام على نعوم تشومسكي الذي بلغ الـ95 بين مَن يتطرف في اعتباره مؤيداً شرساً لفلسطين والعرب، ومَن ينظر إليه كمراوغ يقول الشيء ويلمح لضده، وبأنه بقي صهيونياً مخلصاً، لكن على طريقته. الالتباس متأتٍّ من سعة معرفة الرجل، ولدانة فكره، وطواعيته أمام التحولات. كان منافحاً عن حل الدولتين مع يقينه بأنه لن يتحقق، ولم ير بعين الرضا «اتفاق أوسلو» لأنه الأدرى بنيات إسرائيل. وقبل أن يفقد النطق، وتبدأ مجازر غزة، تصوَّر أن الحل المتبقي والممكن، هو الدولة الواحدة بغالبية يهودية، تُستثنى منها التجمعات الفلسطينية الكبيرة. ولا نعرف مِن آرائه في الأشهر الأخيرة، سوى غضبه بتلويحات باليد اليسرى، قبل أن تخرج إشاعات موته التي جزع لها محبوه.

لا يجادل اثنان في عبقرية تشومسكي، ومهاراته التحليلية، وموسوعيته. ما جعله شهيراً في البدء، وما سيبقى منه للتاريخ، ليس آراءه السياسية الآنية الفانية، ولا مواقفه الاجتماعية الإنسانية، وإنما نظريته اللغوية الفذة، وإنجازاته في ميدان اللغات، حتى قيل إنه «أبو اللسانيات الحديثة».

قبل أن يتعرف طلابنا في الجامعات إلى تشومسكي اليهودي المرتدّ عن صهيونيته، ومنعته إسرائيل، ذات مرة، من دخول الضفة الغربية، ونُظِر إليه على أنه مارق وناكر لبني قومه، يتعلمون إنجازاته الرائدة، كواحد من أهم علماء اللغة وأعظمهم تأثيراً، في عصره.

نظرية هذا العبقري، «التوليدية التحويلية»، لم تسهم في تغيير اتجاه الدراسات اللغوية فقط، بل كان لها تأثيرها على علوم الأنثروبولوجيا، والنطق، والأعصاب، والطب، والمناعة، وكذلك علم النفس، والاجتماع. أكثر من ذلك، لتشومسكي فضل في تطوير أساليب البرمجة وعلم الحاسوب، والترجمة الآلية، من خلال فتوحاته العلمية حول احتمالات التبديل اللغوي الذي يستخدمة المبرمجون؛ فهو رياضي من الدرجة الأولى، علمي المنهج، قدَّم رؤية لغوية أنقذت الإنسان من جلافة النظرية السلوكية التي كانت تعتبر قدرات البشر الذهنية ميكانيكة، آلية، كالحيوان. أما تشومسكي فأثبت أن لدماغ الإنسان مرونة وقدرة فطرية خلاقة، ليست لأي مخلوق آخر؛ فالطفل بمفردات قليلة، وتراكيب محدودة، خلال فترة قصيرة، يستطيع أن يولد ويستنبط ويركب عدداً كبيراً من الجمل، وهي خاصية لم تُعطَ لغير البشر. هذا ما سماه «جهاز اكتساب اللغة» الذي انشغل باكتشاف أسراره وفك رموزه.

اللغة بالنسبة إليه مرآة، من خلال ظواهرها وبنيتيها «السطحية» و«العميقة» نفهم البنية الذهنية للبشر.

ما يهمنا أن تشومسكي دخل عالم اللغات من باب العبرية، وتزوج إسرائيلية، وعاشا معاً عام 1953 في مستوطنة حزوريا، وقضى وقتاً طيباً هناك، لكنه رغم ذلك لحظ تطرف الروح القومية وخشي بحدسه المبكر من العنصرية التي يُعامل بها الفلسطينيون، ففضل العودة إلى أميركا.

كل الظروف اجتمعت لتشومسكي ليصبح صهيونياً، انعزالياً، متقبلاً لوحشية إسرائيل وهستيريا حروبها. العائلة أوكرانية هاجرت إلى أميركا، في الوقت الذي توجهت فيه أسر أخرى إلى فلسطين. هناك علم والده في مدرسة دينية يهودية، وصار مديراً لها، قام بأبحاث حول اللغة العبرية، تعليمها وقيمتها وأهميتها وقواعدها. نعوم نشأ في هذه البيئة، تعلم العبرية، وتحدث الإيديشية، عايش الفكر الصهيوني، عانى من معاداة السامية، توجس من انتشار الفاشية في أوروبا، لكنه كان شغوفاً بالقراءة، وانخرط في الجامعة بدراسة اللسانيات والفلسفة، نال شهادة الماجستير عن أطروحته حول «الصيغ الصرفية في العبرية»، وتمكن بفعل براعته في القياس من توسيع دائرة نتائجه الأولى لتشمل لغات أخرى.

أعجب بأفكار التيارات اليسارية صغيراً، وتبلور حسه النقدي من نقاشاته التي بدأت في البيت، ساند الحركات الطلابية التي قامت ضد حرب فيتنام، وكتب مناهضاً هذه الحرب، ثم عارض الغزو الأميركي للعراق، وزار قطاع غزة عام 2012 تضامناً مع أهلها المحاصرين. وذهب تكراراً إلى الضفة.

حين ينتقد تشومسكي إسرائيل، فهو يفعل كيهودي، يفهم البنية العميقة لهذا الكيان، ومخاطرها على نفسها، ويشن حملاته على السياسات الأميركية كيساري يفهم سلطة المال ولعنته. يستشهد بآدم سميث الذي يقول إن أصحاب الثروات يتبعون مبدأ حقيراً هو: «كل شيء لأنفسنا، ولا شيء للآخرين»، معتبراً أنها جملة مفتاح لفهم السياسة الداخلية لأميركا التي تحكمها مافيات المصالح، ويقيس عليها السياسة الخارجية، ومن هنا تأتي حملاته على وسائل الإعلام التي هي مجرد أبواق يعدّها بديل السوط في الأنظمة الديكتاتورية.

الحكم على تشومسكي، وهو على سرير المرض، لا بد أن يتحرَّى العدل الذي يليق برجل تحلى بالشجاعة، وصدق الرأي، وسوية النفس، لنقول إنه قد يكون من أواخر الذين آمنوا بدور المثقف الفاعل العضوي، الذي دعا إليه غرامشي.

هو من سلالة مثقفي «المسؤولية الأخلاقية»، مثل إدوارد سعيد، إقبال أحمد، نورمان فينكلشتاين، الذين دانوا باستمرار صمت النخب، ولعبوا أدواراً تاريخية، بتوظيف اختصاصاتهم الضيقة، من أجل المصلحة العليا للإنسانية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تشومسكي وسلالته تشومسكي وسلالته



GMT 21:27 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

يؤانا إقلاديوس!

GMT 21:25 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الدراسات المستقبلية

GMT 21:24 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

بكين …!

GMT 21:23 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

شعرة معاوية الإيرانية

GMT 21:22 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

مصريتنا حماها الله

GMT 21:20 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

استعدادات كبرى للحج!

GMT 21:19 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الجانب الناقص

GMT 22:09 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

استحمَّت في مغطس هتلر

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة إليسا جذب الأنظار ليس فقط بصوتها وحضورها الفني، بل أيضًا باختياراتها الأنيقة التي تعكس ذوقًا راقيًا وشخصية واثقة. ومع عودتها إلى إحياء الحفلات الغنائية واستئناف نشاطها الفني خلال الفترة الأخيرة، برزت مجموعة من الإطلالات المميزة التي تألقت بها على المسرح، حيث تنوعت تصاميمها بين الكلاسيكية الراقية واللمسات العصرية الجذابة. وفي أولى حفلاتها بعد فترة من التوقف، ظهرت إليسا بفستان سهرة سترابلس من الحرير باللون النيود الدافئ، جاء بقصة ميدي مستقيمة أبرزت أناقتها المعتادة، قبل أن تستبدل حذاءها ذي الكعب العالي بحذاء رياضي مريح خلال الحفل بسبب شعورها بالإرهاق الناتج عن إصابة سابقة في القدم. وأكملت إطلالتها بمجوهرات ذهبية مرصعة وشعر مموج منسدل على كتفيها. كما تألقت في مناسبة أخرى بفستان مجسم باللون النيود الفاتح، تم...المزيد

GMT 11:31 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العقرب الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 15:06 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

شيفروليه تطلق الجيل الجديد من سلفرادو 2019

GMT 01:35 2014 السبت ,06 كانون الأول / ديسمبر

"البنتاجون" يعترف بارتفاع الاعتداءات الجنسية في الجيش

GMT 19:15 2018 الخميس ,08 شباط / فبراير

برشلونة يستخدم ميسي في فيلم رسوم متحركة

GMT 02:11 2018 الخميس ,08 شباط / فبراير

شروق سمير تستعد لإحياء عيد الحب في حضن الصعيد

GMT 10:51 2013 الثلاثاء ,12 شباط / فبراير

ارتفاع مساحات البناء المرخصة خلال 2012 في الأردن

GMT 13:39 2017 الإثنين ,04 كانون الأول / ديسمبر

أفكار مميزة لتزين غرفة الطعام في فصل الخريف

GMT 08:29 2014 الثلاثاء ,23 أيلول / سبتمبر

اليابان تؤجل زيارة فلاديمير بوتين تحت ضغوط أميركية

GMT 15:49 2017 السبت ,07 تشرين الأول / أكتوبر

المطربة الشابة نجلا تنعى شقيقتها التوأم نورلين

GMT 21:52 2020 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

أماكن إقامة ذات إطلالات ساحرة في نيويورك

GMT 13:54 2020 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

انطلاق أولى حلقات "كله بالحب" لمسلسل "نصيبي وقسمتك"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates