بقلم: عبد المنعم سعيد
فى عام ١٩٨٩ كانت زيارتى الأولى إلى اليمن عندما انعقد مؤتمر عن الوحدة العربية كان من منتجات مركز دراسات الوحدة العربية. كان البحث الموكل إلى هو مقارنة ما بين التجارب الكبرى التى تمت بها الوحدة والاندماج فى كيان ليس له مثيل من قبل فى دول أخرى بما فيها حتى تلك المجاورة. وقع اختيارى على تجارب الولايات المتحدة فى الوحدة الفيدرالية؛ والاتحاد الأوروبى فى التكامل والاندماج؛ والتجربة الآسيوية فى «آسيان» التى يجرى فيها التكامل دونما طلقة نار. وحينما وصلنا إلى اليمن كانت تحية الرفاق اليمنيين هى: مرحبا بكم فى وطنكم الأول. كان ذلك تذكير مباشر بالأصول الأولى لأمة العرب حيث كان العرب القحطانية قبل الاستعراب والاختلاط مع أقوام أخرى قد بات أهلها يقولون لزائريها من العرب: مرحبا بكم فى وطنكم الثانى. كان الكرم كبيرا، والاستقبال حارا، والمناقشات والحوارات لا تخل من ابتسامة ورقة. الآن فإن الرحلة اليمنية تقع فى منعطف حاد قوامه ذلك المشهد الوطنى الذى يشير إلى نضال الحكومة الشرعية اليمنية وشعبها اليمنى الأصيل من أجل إقامة الدولة الوطنية اليمنية. لم يكن ذلك ممكنا دون تواجد كيان سياسى رابط ما بين شمال وجنوب ووسط اليمن؛ وكفاح ضد جماعة الحوثيين التى تحاول سلب الهوية اليمنية.
الحقيقة التى لا يمكن تجاهلها أن ما يجرى فى اليمن هو عملية بعث الدولة الوطنية من جديد وهى التجربة التى تجرى فى بلاد عربية أخرى تعرضت أصولها الوطنية للاهتزاز حتى تتجمع لديها الإرادة لتجميع ما انقسم. لم يعد هناك شك فى المشروعات الإيرانية والإسرائيلية لتغيير «الشرق الأوسط» سواء بأذرع إيران الممتدة إلى دول عربية، والثانية القوة الإسرائيلية المزودة بالدعم الأمريكى أو بدونه. فى الشرق الأوسط تجرى حروب كثيرة؛ فلا تزال حرب غزة الخامسة جارية؛ و«حرب الخليج الرابعة» باتت ممزقة ما بين ضربات عسكرية حادة من قبل الولايات المتحدة؛ بينما إيران تواجه ذلك إما بالضربات المباشرة لدول الخليج العربية؛ أو عن طريق الأذرع الملتصقة بها؛ خاصة تلك التى توجهت صواريخها من العراق إلى السعودية ويستجاب لها بضربة مضادة إلى ملجأ قوات الحشد الشعبى فى الأراضى العراقية! الصورة الجارية فى العراق وسوريا ولبنان والسودان كما هى فى اليمن تقوم على حكومات شرعية تقاوم جهودا شرسة تجرى تحت شعارات زائفة تقوم بها ميليشيات مسلحة من أجل تقسيم الموحد وتكسير السليم. الأمر لم يعد يحتاج فقط الجهود المضنية للحكومات الشرعية لاستعادة الدولة الوطنية مرة أخري؛ وإنما أكثر من ذلك جهود الدول العربية من خلال جامعة الدولة العربية أو بدونها لنزع الشرعية عن الميليشيات التى أولا تمزق هوية الدولة وتماسكها وأخذها فى اتجاهات طائفية وشعارات زائفة؛ وثانيا تخلق أوضاعا إنسانية قاسية تضع الدولة العربية تحت مقصلة إنهاء وجود الدولة الوطنية سواء كان ذلك فى اليمن أو فى العراق أو فى لبنان أو السودان. استعادة الدولة الوطنية العربى لعافيتها هى المسألة.