إسرائيل بين المؤامرة المفتوحة والمستقبل المغلق

إسرائيل بين المؤامرة المفتوحة والمستقبل المغلق!

إسرائيل بين المؤامرة المفتوحة والمستقبل المغلق!

 صوت الإمارات -

إسرائيل بين المؤامرة المفتوحة والمستقبل المغلق

بقلم :حازم صاغية

دلّ التعامل الإسرائيليّ مع طائرات الأطفال الورقيّة في غزّة إلى حالة ارتياب متقدّمة، تأخذ شكلاً اضطهاديّاً، وترفع استعدادات الانهيار العصبيّ. فأن تُعامَل تلك اللُعَب كما لو أنّها مُسيّرات معادية فهذا يشبه أن نرى في كلّ حركة استهدافاً، وفي كلّ تهامُس بين اثنين مؤامرة، وفي كلّ مَن يصدف أن يمشي بضع خطوات وراءنا مشروع مراقبة وتنصّت. لكنّ «قناعة» إسرائيل هذه، المبنيّة على ارتياب اضطهاديّ، تدفعها إلى ردود قصوى، تتفاوت بين أقصى العنف وأقصى الشكّ بوجود نوايا بغيضة، وذلك على رقعة جغرافيّة بالغة الاتّساع.

وقد يكون مفهوماً، خصوصاً بعد «طوفان الأقصى»، أن يكون هاجس الدولة العبريّة الأمنيّ أعلى منه في أيّ بلد، سيّما إذا أضفنا علاقتها التاريخيّة بمحيطها، وذاكرة الهولوكوست والبوغرومات. لكنّ النتيجة التي خلصتْ إليها حكومة نتنياهو تتعدّى كلّ حساب عقلانيّ وتفيض عن جميع مُمكنات السياسة والدبلوماسيّة. فغزّة والضفّة الغربيّة وجنوب لبنان وجنوب سوريّا أراضٍ معادية تُعالَج بالقتل والحرق والإذلال، على تفاوت في الدرجة بين حالة وأخرى. ومصر والأردن ليسا أهلاً للثقة ومصدراً للاطمئنان. ودول أخرى موارد تهديد محتمل، إن لم يكن اليوم فغداً. وأوروبا الغربيّة وكندا والحزب الديمقراطيّ في أميركا تنطوي على بيئات خطيرة معادية، ومعهم الطلاّب المتضامنون مع غزّة، والمحاكم الدوليّة والفنّانون والرياضيّون الذين طالبوا بالمحاسبة على ما يُرتكب من جرائم. حتّى صداقة الصديق دونالد ترمب ولفيفه يمكن أن توضع على المحكّ.

وغالباً ما يُحشد كثيرون من هؤلاء الخصوم في تسمية واحدة تتأرجح بين الإسلاميّة والشيوعيّة، أو ربّما في إسلاميّة شيوعيّة من طراز غريب، فيما تُرَدّ كلّ معارضة تواجه أفعال إسرائيل إلى اللاساميّة. وهذا أردأ ما تنتجه ثقافة سياسيّة تهبط بالأفكار إلى دعائية يوميّة مغلّفة بإلإنشاء المُتذاكي، كما تهين ضحايا اللاساميّة بالمعنى الذي أهانت فيه الستالينيّة ضحايا الفاشيّة، حين وصفت كلّ من يعارضونها بأنّهم فاشيّون.

لكنْ هل يُعقَل أن يُكلَّف طرفٌ، هو مرشّح متقدّم للانهيار العصبيّ، بتصويب مسار العالم وعقلنة أفعاله؟ أو أن تكون كلّ تلك الأطراف المتّهَمَة، أو المشكوك فيها، على خطأ مطلق، ووحدها إسرائيل على صواب مطلق؟ وحتّى لو افترضنا ذلك، وهو بالطبع مستحيل، فهل يكون الحلّ بحرب تلي حرباً إلى ما لا نهاية؟

فسلوك كهذا تسكنه عاهة عميقة غالباً ما كانت تُنسب إلى أطراف عربيّة، مفادها عدم مراجعة النفس وأفعالها والهربُ، في المقابل، إلى التذرّع بالمؤامرة. ولئن درجت الرواية العربيّة السائدة على اقتراح المقاومة بعد المقاومة، والصمود بعد الصمود، ردّاً على تلك المؤامرة، فإنّ الرواية الإسرائيليّة الراهنة لا تقترح إلّا الحرب بعد الحرب، والسعي تالياً إلى رفع الميزانيّة العسكريّة من 20 مليار دولار في 2023 إلى 60 ملياراً لهذا العام.

بيد أنّ مركزيّة المؤامرة في هذا الوعي تجعل لغة نتنياهو السياسيّة أقرب إلى لاساميّة مقلوبة يضاعف الحضّ عليها أزمة شخصيّة قانونيّة وصعوبات انتخابيّة جدّيّة: فبدل أن يكون اليهود مصدر خطر وتآمر على العالم، كما تزعم تلك الخرافة، يغدو اليهود هدفاً لخطر العالم وتآمره، كما تزعم خرافة نتنياهو وصحبه. وإذا جاز الاستشهاد ثانيةً بالستالينيّة، صحّ أنّ الأخيرة بنت على الهوس بالحصار والمؤامرة فكرة «الاشتراكيّة في بلد واحد»، وتتفرّد اليوم إسرائيل، ومعها إيران، هما المهجوستان بالمؤامرة والحصار، في بناء نظام لا يعيش إلّا «في بلد واحد».

أمّا المؤامرة فلا تكفّ عن الاشتغال إلّا حين يظهر على سطح الكرة الأرضيّة رئيس فطِن كرئيس كولومبيا الجديد لا إسبرييا الذي يتبرّع بهضبة الجولان السوريّة لإسرائيل. وعملاً بمعيار كهذا، يغدو كلّ مَن يقول ما هو أقلّ من ذلك، حتّى لو كان منصور عبّاس، مجرّد ذئب في ثوب حمل.

غير أنّ هذه الدعوة إلى التطابق الالتحاقيّ ليست من السياسة ولا من الواقع. فهي مونولوغ القويّ الذي يفترض أنّ سواه بلا حقوق ومصالح ورغبات وهواجس، وأنّ صدقيّتهم لا تُقاس إلّا بمدى تلبيتهم مصالح إسرائيل بالطريقة التي يراها نتنياهو.

والحال أنّ كافّة زعماء الدولة العبريّة منذ بن غوريون، باستثناء نتنياهو وحده، ما كانوا ليتجاهلوا التحوّلات الكبرى التي أحدثتها إسرائيل في المنطقة، والاستفادة السياسيّة منها، وعلى رأس التحوّلات تلك إضعاف إيران وميليشياتها الرثّة. ففي هذه التطوّرات انضوت فرصة تاريخيّة للإسرائيليّين، ولعموم المنطقة، تندرج دولتهم بموجبها في نظام إقليميّ مستقرّ فيما يعاد الاعتبار لمسارات حلّ المشكلة الفلسطينيّة. بيد أنّ الذين عطّلوا فرصة كهذه في التسعينات، مكمّلين عمل الخمينيّين والأسديّين وأضرابهم، لن يمحوا بيُسراهم ما سبق أن خطّوه بيُمناهم.

وليس عديم الدلالة أنّ مشروع «الحرس الثوريّ» ومشروع نتنياهو ووحوش الاستيطان مسكونان بجرعات ماضويّة وأسطوريّة تدفعان العالم إلى حقبات ظُنّ أنّها طُويت بمشاريعها الإمبراطوريّة والاستعماريّة، وتحاولان بالقوّة الفظّة إجهاض كلّ احتمال مستقبليّ. فمعهما، للحرب وحدها مستقبل، ولا يُفتح باب لأملٍ صغير إلّا بسقوطهما مجتمعين أو منفصلين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل بين المؤامرة المفتوحة والمستقبل المغلق إسرائيل بين المؤامرة المفتوحة والمستقبل المغلق



GMT 05:44 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما وترامب؟!

GMT 05:43 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (1)

GMT 05:42 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

سياسات مدبولي!

GMT 05:41 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«نصيب».. المتفرج أخذ أيضًا نصيبه من المعاناة!!

GMT 05:40 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

رأيت.. وسمعت

GMT 05:39 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

ثقافة الاحتجاج

GMT 05:38 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف وصلنا إلى الآن ؟!

GMT 05:36 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

التعلم من الأخطاء

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 10:54 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:51 2021 الأربعاء ,10 شباط / فبراير

طموحات وأحلام لمؤدي رقصات التنين في فيتنام

GMT 03:55 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

جزر الملكة شارلوت في كندا رحلة إلى العزلة على حافة العالم

GMT 21:56 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

السجاد اليدوي الكردي جزء من التراث والفلكلور في كردستان

GMT 07:58 2018 الخميس ,18 تشرين الأول / أكتوبر

محمد بن راشد لملايين "الطلبة العرب" مستقبلكم هو التعليم

GMT 02:58 2018 الثلاثاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حسن الرداد يكشف مفاجآت لجمهوره في "تخاريف" الاثنين المقبل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates